النسخ بين المفهوم القرآنيِّ والمفهوم الفقهيِّ

النسخ بين المفهوم القرآنيِّ والمفهوم الفقهيِّ

تونس- الزيتونة اون لاين :

بقلم أسماء العماوي

لئن تمحور القول في النسخِ بين العلماء قديماً وحديثاً حول نفي وقوعه في النصوصِ الدينيةِ تارة وإثبات وقوعه تارات، ودون الخوض في تفاصيل الإثبات/ والنفي هذه، سنحاول التركيز في هذه المقالة حول المفهوم القرآني للنسخ، مُشدّدين عن ضرورة فرض التمييز بين النسخ كفهوم قرآني، والنسخ كمفهوم فقهي مؤسَّس يتباين هدفه ووظيفته مع وظيفة النسخ القرآني.

انبثق مفهوم النسخ في ثنايا الوحي، إذ شُرع قوله -تعالى-: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 106)، وللوقوف على الدلالة المعرفية لهذه الآية، يجب ردها إلى سياقها الذي ارتبطت به وتنزّلت لأجله، وإذ يتباين السياق بتباين المخاطَبين فيه، وذلك على نحو ما ذُكر في سبب نزول هذه الآية من جهة، حيث يبيّن أنّ الخطاب في الآية موجّه إلى اليهود، وذلك للردّ على دعواهم بأنّ القرآن ليس من عند الله، بل من عند محمّد، لأنّه يحوي آيات قد تشي بالتباين والتناقض، وهنا يقول الواحدي النيسابورى:

“قال المفسّرون: إنّ المشركين قالوا: ألا ترون إلى محمّد يأمر أصحابه بأمر ثمّ ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا؟! ما هذا القرآن إلاّ كلام محمّد يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضا فأنزل الله: (وإذا بدلنا آية مكان آية) الآية: وأنزل أيضا: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) الآية”([1])

وبالتالي يكون سياق هذه الآية، هو سياق الردّ على أهل الكتاب من اليهود خاصةً، في تهكّمهم وهجومهم على النبي والإدعاء بأن القرآن هو من عنده.

ومن جهة أخرى، تضع التفاسير القرآنية هذه الآية في سياق آخر مختلف، إذ يكون المخاطَب بها هو “النبيّ محمّد”؛ وذلك على النحو الذي أقرّه الطبري بقوله عن سعد بن أبي وقّاص: “كان يقرأها: (أو تُنْسِها) بمعنى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنّه عنى أو تنسها أنت يا محمد”([2])

وتبعًا لهذا السياق الأخير، وهو سياق فحواه بعث الطمأنينة في قلوب المؤمنين ومن قبلهم النبي، تكون الآية تعزية لهم، حيث إنّ كلّ آية ذهبت ضحية النسيان ستنزل آية مِثُلهَا أو خير منْهَا اعتمادا على الآية: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا…}، خاصة وأنّ الوحي قبل التدوين كان يُحفظ في الذاكرة، وذلك بدلالة ما رواه البخاري في صحيحه “عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا”([3])، وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عمر قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصلّيان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فذكرا ذلك له، فقال: (إنّها ممّا نسخ فالهُوَا عنها). والذى نستنتجه أنّ النسخ يرتبط بمرحلة نزول الوحي فحسب وذلك من الناحية الزمنية، وبالتالي فإنّه ينقطع بانقطاع الوحي ذاته.

هذا إلى جانب تعدّدية المعاني التي تحملها الآية واختلاف العلماء حولها، فبالنسبة إلى مفردة “النسخ” فقد تباين معاني هذه المفردة بين “القبض” أو “التبديل”، أو “إثبات الخط وتبديل الحكم”([4]).

وكذلك مفردة “ننسها”، والتي اختلفوا حول قراءتها، -كما رأينا- مع سعد بن أبي وقّاص وقراءته لها بصيغة المخاطبة للنبي (أي تنسها أنت يا محمد)، و”قرأ آخرون: (أو نَنْسَأْها) بفتح النون وهمزة بعد السين، بمعنى: نؤخّرها، من قولك: “نَسَأْتُ هذا الأمرَ أنسؤُه نَسْأ ونساء”، إذا أخّرته، وهو من قولهم: “بعته بنساء، يعني بتأخير”([5]). وينفرد السيوطي عن غيره من العلماء بتوضيح معنى هذه القراءة بقوله:

“ما أمر به لسبب، ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلّة بالصبر والصفح، ثم نسخ بإيجاب القتال. وهذا في الحقيقة ليس نسخا، بل هو من قِسْم المنسأ، كما قال -تعالى-: (أو ننسها) فالمنسأ: هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أنّ الآية في ذلك منسوخة بآية السيف، وليس كذلك، بل هي من المنسأ، بمعنى أنّ كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما، لعلة تقتضي ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلّة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنّما النسخ الإزالة للحكم حتّى لا يجوز امتثاله”([6]).

وبحسب قول السيوطي، فإنّ إبدال نصّ مكان نصّ آخر، وإبطال حكم بحكم آخر، متوقّف على الواقع وشروطه، وهذا يفرض بقاء النصوص المنسوخة إلى جانب النصوص الناسخة، وذلك لأنّ الحكم المنسوخ يمكن أن يفرضه الواقع مرّة أخرى وفقاً لحيثيّات التفاعل والحوار.

ولعلّ ما اصطلح عليه الفقهاء من خلال تقسيمهم للناسخ والمنسوخ، إلى [ما نُسخ تلاوته وبقى حكمه]، و[ما نُسخ حكمه وتلاوته]، لأبرز شواهد على تفاعل الوحي مع واقع التنزيل، ومدى إدراك النبي وجماعته الأولى لذلك، فكانت تتنزّل آيات ويقرأها النبي وأصحابه، ولكنها تُرفع قبل التدوين على نحو ما نقل السيوطي عن الخطابي قال: “إنّما لم يجمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- القرآن في المصحف، لما كان يترقّبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته”([7])، إمّا ضحية النسيان –كما سبق الإشارة-، أو لفقدان الداعي إليها، إذ يقول الطبري في تفسير قوله تعالى: (ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك) وذلك في سياق تأويله لقوله تعالى: (أو ننسها): “فإنّه – جلّ ثناؤه – لم يخبر أنّه لا يذهب بشيء منه، وإنّما أخبر أنّه لو شاء لذهب بجميعه، فلم يذهب به والحمد لله، بل إنّما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أنّ ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه“([8])

وبخصوص آية الرجم التي أدرجها الفقهاء فيما أطلقوا عليه نسخ التلاوة دون الحكم، فقد كره الرسول تدوينها ضمن ما يُدوَّن من القرآن. وهنا يقول السيوطي:

“أخرج الحاكم من طريق كثير بن الصلت، قال: كان زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص يكتبان المصحف، فَمَرّا على هذه الآية فقال زيد: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة)، فقال عمر: لمّا نزلت أتيت النبي-صلى الله عليه وسلم- فقلت: أكتبها؟ فكأنه كره ذلك”([9]). وفي رواية أخرى “أخرج النسائي: أنّ مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت: ألا تكتبها في المصحف؟ قال: ألا ترى أنّ الشابّيْن الثيِّبَيْن يُرجمان! ولقد ذكرنا ذلك، فقال عمر: أنا أكفيكم، فقال: يا رسول الله، اكتب لي آية الرجم قال: لا تستطيع. قوله: (اكتب لي) أي: ائذن لي في كتابتها، أو مَكِّنِّي من ذلك”([10]).

ولعلّ في ذلك دلالة لمدى إدراك النبي لظرفية هذه الآية الذي ارتبط تشريعها بسياق اجتماعي محدّد، فوِفْقًا لهاتين الروايتين فإنّ الآية لم تُرفع بأمر إلهي، إنّما المنع عن تدوينها كان بأمر من الرسول ذاته. ويبدو أنّ إدراك شرطية كثير من الآيات ذات الأساس الاجتماعي، بالواقع التي تنزّلت فيه، لم تقف فحسب على النبيّ، بل تعدى ذلك إلى أصحابه، فها هو عمر بن الخطاب، الذي يتفانى في التأكيد على قرآنيّة حد الرجم بقوله: “والذي نفسى بيده، لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله -تعالى- لكتبتها: “الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة”، فإنّا قد قرأناها”([11])، يمنع أبيّ بن كعب من استقراء الرسول لهذه الآية وذلك بنحو ما أقره أبيّ بقوله متعجّبا من عمر: “أليس أتيتني وأنا أستقرئها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فدفعت في صدري وقلت: تستقرئه آية الرجم، وهم يتسافدون تسافد الحمر؟”([12]).

وكذلك الآية التي بالتعويل عليها صنّف الفقهاء ما أطلقوا عليه ما “نُسخ تلاوته وحكمه معا”، فعن عائشة قالت: كان فيما أُنزِل: (عشر رضعات معلومات) فنسخن بـ (خمس معلومات)، فتوفّي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهنّ مما يُقرأ من القرآن. رواه الشيخان”([13]). واختلفوا حول كيف أنّها كانت تُقرأ من القرآن بعد وفاة النبي على حدّ تعبير عائشة، وأنّها لم ترد في المصحف العثماني، خاصة مع عدم وجود روايات عن النبي توضّح أنها قد رُفعت بأمر إلهيّ، أو لم يأمر هو نفسه بتدوينها كما في آية الرجم.

ولمّا كانت هذه الآية قد نُسخت تلاوةً وحكما بعد وفاة النبي، فإنّ ذلك يعني أنّ عدم تدوينها في القرآن كان بفعل من قاموا بجمعه، مدركين بالطبع مرحلية هذه الآية التي فُقدت فاعليّتها، بفقدان الداعي إليها.

وجليّ أنّ هذا يشير إلى ضرورة فرض التمييز بين هذا النسخ الذي نشأ في ثنايا الوحي، ليؤكد على مدى تفاعل هذا الوحي مع الواقع، سواء كان سياق الآية الردّ على اليهود في تهكّمهم على النبي، أم كان سياقها حوارا مع النبيّ والمؤمنين وتعزيتهم بخصوص ما قد يعتريهم من نسيان للقرآن، لا سيمَّا وأنّ دخول القرآن في حوار مع هؤلاء جميعًا ومخاطبتهم دليل على مدى هذا التفاعل، هذا فضلا عن حصر النسخ بمرحلة الوحي ذاته من الناحية الزمنية، إذ ينقطع بانقطاع الوحي؛ أي بموت النبي. ثمّ إنّ النسخ كمفهوم فقهي مؤسَّس، يتفاوت هدفه ووظيفته مع وظيفة النسخ الذي حدّدته تلك الآية.

ففي حين كان الهدف من النسخ القرآني هو التيسير ورفع المشقّة عن الناس، والذي أدركه السيوطي -متعجّبا- من قول الفقهاء بنسخ تلاوة “الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتَّةَ” مع بقاء الحكم “لأنّه أثقل الأحكام وأشدُّها وأغلظ الحدود، وفيه الإشارة إلى ندب الستر”([14]).

أصبح النسخ بحسب الفقهاء مبرّرا للتشدد وفرض العنف، “فقال ابن العربي: كلّ ما في القرآن من الصفح عن الكفار، والتولّي، والإعراض والكفّ عنهم فهو منسوخ بآية السيف، وهي: {فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ…} (التوبة: 5)”([15])، بل قد بالغ فيه البعض، ممّا أدّى إلى اتساع الآيات المنسوخة، فقالوا أنّ آية السيف هذه نسخت مائة وأربعًا وعشرين آية، إلى الحدّ الذي جعل “ابن الجوزي” يصف من قال بنسخ هذه الآيات بعدم الفهم بقوله: “وقد ذكر بعض من لا فهم له من ناقلي التفسير أنّ هذه الآية، وهي آية السيف نسخت من القرآن مائة وأربعا وعشرين آية ثم صار آخرُها ناسخا لأوّلها”([16]).

وفضلاً عن اختلاف هدف ووظيفة النسخ القرآني/الفقهي بين التخفيف ورفع المشقّة على الناس – والذي تعارف عليه الفقهاء، وإن نظريًّا فقط([17])، فإنّ الخطاب الفقهي شرّع – من خلال النسخ- لتثبيت معنى أُحاديّ ثابت ونهائي للنصوص الدينية، في مقابل الخطاب القرآني الذي يطرح إمكانات شتّى لتعدّد قراءاته ومعانيه.

وبناءً على ما سبق، مضى الخطاب الفقهي مقرّا بوقوع التناقض بين آية المواريث المتضمّنة لتوزيع مال المتوفّى على أولاده وأقاربه، والمحدَّدة بأنصبة معيّنة وفقًا لدرجة القرابة والدم، وهي قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ…} (النساء: 11)، وآية الوصيّة التي تُعطي المتوفّي الحقّ في توزيع ماله وفقًا لمشيئته في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (البقرة: 180)، “فوجب نسخ إحداهما بالأخرى، ومحتملة بأن تكون المواريث ناسخة للوصية”([18])، وذلك بحسب ما أقرّ الشافعي مستدلاً بحديث “لا وصيّة لوارثٍ، ولا يُقتَل مؤمنٌ بكافرٍ”([19]).

وإذ يؤدّي القسم الأخير من الناسخ والمنسوخ، وهو [ما نُسخ حُكْمه وبقيت تلاوته] بالضرورة إلى وجود آيتيْن في القرآن إحداهما متقدّمة في النزول وأخرى متأخّرة، وبالتالي ستكون المتأخّرة هي الناسخة للمتقدّمة، بيد أنّ هذا الترتيب للآيات من حيث التقديم والتأخير النزولي يتناسب تناسبا عكسيًّا مع ترتيب الآيات والسور القرآنية في المصحف العثمانى، حيث إنّ ترتيب التلاوة مختلف عن ترتيب النزول، هذا الترتيب النزولي الذي لم يعرفه حتّى الصحابة أنفسهم!، بنحو ما صرّح عكرمة في جوابه على تساؤل ابن سرين: “لماذا لم يؤلّف الصحابة القرآن كما أنزل الأوّل، كان جوابه: لو اجتمعت الإنس والجن على أن يؤلّفوا هذا التأليف ما استطاعوا”([20]).

والحاصل ممّا سبق أنّ النسخ قد ارتبط فقط بفترة نزول الوحي على النبي، ممّا يعني نفي وقوعه في المصحف العثماني المتعارف عليه، لما سيترتّب على ذلك من إشكاليات قد تمسّ من ثبوت القرآن ذاته، لأنّ النسخ بأقسامه التي تعارف عليها الفقهاء يؤدي بالضرورة إلى إضافة أو حذف آيات قرآنية من النص الأصلي، وآية ذلك ما رواه السيوطي “عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تُقرَأ في زمن النبي (ص) مائتي آية، فلّما كتب عثمان المصاحف لم يُقدّر منها إلاّ ما هو الآن [73 آية]”([21]).

وبما أنّ تعاملنا الآن مع القرآن هو بالأساس تعامل مع المصحف العثماني المحصور بين دفّتين بقراءة واحدة، وبنية، وتركيب، وشكل واحد، خاصةً بعد عملية الجمع والتقنين (المتضمّنة ترتيب الآيات في السور وترتيب السور في المصحف، والتركيب الإعرابي، والتشكيل النحوى…إلخ)، فإنَّ ذلك يفتح الباب أمام قراءات جديدة للقرآن تختلف عن قراءة الفقهاء القدامى، آخذين في الاعتبار التعامل مع القرآن بوصفه خطابًا أو بالأحرى خطابات منها ما اقتصر على واقع التنزيل بالضرورة (كالخطابات ذات الأساس الاجتماعي الحدودي -التي تندرج ضمنها “قضايا المواريث”-) ومنها ما هو عام كلّي مجاوز لذلك الواقع. ولعلّ التعامل مع القرآن من منظور الخطاب-ويمكن أن يكون ذلك موضوعا لدراسة مُعمَّقة-، يجنّبنا الوقوع في كثير من الإشكاليات التي واجهت القدماء، خاصّة لما صاروا إليه من وقوع التناقض بين وحداته الصغرى (آياته). فهذا التناقض المتوَهَّم سيكون من منظور الخطاب ضربًا من التباين بين وحدات خطابية راجعًا إلى اختلاف المخاطَبين من جهة، واختلاف سياق الخطاب من جهة أخرى، لا سيمَّا وأنّ المخاطَبين بالقرآن ليسوا أولئك الذين تلقّوه عن النبي فعليًّا، بل كلّ من يأتي بعدهم أيضًا.

[1] الواحدي النيسابوري، أسباب نزول القرآن، دار الكتب العلمية، ت: محمّد عبد القادر شاهين، 2000م، ص 20

[2] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مكتبة ابن تيمية، تحقيق: محمود محمد شاكر، القاهرة، الطبعة الثانية، ج2، ص 474

[3] انظر صحيح البخاري، (كتاب الشهادات) حديث رقم (2474).

[4] انظر، الطبري، جامع البيان، ج2، ص 472، 473، وانظر أيضًا القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الفكر، ج2، ص 60، 61

[5] الطبري، جامع البيان، ج2، ص 477

[6] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص 649، 650

ربّما جعل السيوطي النسخ نوعا من التدرج في التشريع وفقا لمقتضيات الواقع، وهذا يستلزم أن تكون كلّ الأحكام بما فيها المتباينة واردة في المصحف، وبناء على ذلك يكون الواقع هو المحدِّد لاستخدام الحكم، وهذا يشير إلى تعدّد المعنى في النص القرآني، فيكون أكثر مرونة ويسرًا.

[7] انظر، السيوطي، الإتقان فى علوم القرآن، ج1، ص 651

[8] الطبري، جامع البيان، ج2، ص 480

وروي “في الصحيحين: عن أنس -في قصّة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا، وقَنَت يدعو على قاتليهم- قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع: (أن بلّغوا عنّا قومنا أنّا لقينا ربّنا فرضي عنّا وأرضانا)” انظر، السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص 664، 665

[9] الإتقان، ج 1، ص 667

[10] الإتقان، ج1، الصفحة نفسها.

[11] مالك، الموطأ، دار الحديث، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، ص 223

[12] الإتقان، ج1، ص 667

[13] الإتقان، ج1، ص 651

[14] السيوطي، الإتقان، ج3، ص 69

[15] الإتقان، ج3، ص 62

[16] ابن الجوزي، نواسخ القرآن، مكتبة الملك فهد، المملكة العربية السعودية، تحقيق: محمد أشرف المليباري، الطبعة الثانية، 2003م، ص 465

[17] عيّن العلماء والفقهاء وظائف للنسخ انطوت على:

1- تخفيف الأحكام على المكلَّفين سواء بالتدريج فيها أو بإلغائها.

2- تبرئة القرآن من تناقض أحكامه.

3- إقامة البرهان على نزول القرآن منجّمّا.

انظر، بسّام الجمل، أسباب النزول، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2005، ص 273

[18] الشافعي، الرسالة، دار التأصيل، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ص 138، 139

[19] الشافعي، الرسالة، ص 139

[20] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص 650

[21] الإتقان، ج3، ص 65، “وروى كذلك عن نافع عن ابن عمر قال: لا يقولَنّ أحدكم: قد أخذت القرآن كلّه، وما يدريه ما كلّه! قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل: قد أخذت منه ما ظهر” انظر، الإتقان، ج3، ص 64

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *