الهوية العربية فجوة الادلجة و الواقع

الهوية العربية فجوة الادلجة و الواقع

الهوية العربية فجوة الادلجة و الواقع

المؤلف : د. لطفي المرايحي
يضم فهرس الكتاب العناصر التالية : قبل البدء، السؤال الحائر، حتمية الهوية ، أية هوية؟، من أنا/من نحن؟ اللغة العربية،الدين، الإسلام …والعروبة، التاريخ،من الآخر، حتمية صراع الأنا و الآخر،كيف يرانا الآخر، اغتراب أم حداثة؟ إلى أين نحن سائرون ؟ السبيل إلى الهوية،الأنا العربي الموحد، العدالة .
أسئلة حارقة للمتغيرات الدوليّة:
في العنصر الأول المعنون “قبل البدء”، يقدم الهوية على أنها” مثلت مبحثا هاما في الدراسات و النظريات المتعلقة بالقومية العربية وركنا أساسيا للتدليل على وحدة الأمة في كينونيتها و صيرورتها.وكاد ينحصر الإستدلال على ذلك بالتركيز على ثالوث اللغة، والتاريخ و الدين بوصفها عناصر لايرقى لها مجال الشك”ص5.  لذلك ” لم يحجموا على قذف كل من نحا منحى مخالفا أو مجادلا فنعتوه بالتذيل للإمبريالية الإستعمارية وبالجهل الجهول بخصائص الأمة” ص6 .ومع هذا الإصرار من الضمير الجمعي للمثقفين و الباحثين على بوتقة التفكير في الهوية من منظار إيديولوجي، فإن مؤلف الكتاب يكتب”أني ما غاليت في حديثي هذا قدر مغالاتي في التجرد من العاطفة وما قصدت مقصدا غير عرض المفاهيم المجردة من الأدلجة و الإسقاط “ص6. ولقد شكل سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر 1989 “السؤال الحائر” وهو عنوان العنصر الموالي في الكتاب.إذ “انصب اهتمام المحللين و الدارسين على الآثار الجيوستراتيجية المنجرة عن هذا الحدث العظيم، منكبين على سيرورة علاقة القطبين الأمريكي والسوفياتي و ما عساه ينجر عن إعادة ترتيب هذه العلاقة من تداعيات على المستوى الأوروبي”.ص 9 .ويعلق الكاتب على هذا السقوط إذ يعود للفيلسوف الفرنسي إيمانويل طود، إذ “كان من القلة القليلة التي حددت بالضبط زمن انهيار المعسكر السوفياتي و شرحت أسبابه باستشراف مذهل”.ص9 .أما لماذا لم ينتبه العرب ولم يقدروا تبعات سقوط جدار برلين على أوضاعهم فجوابه على غاية من البديهية. يجيب الكاتب “لأنهم وببساطة كانوا نياما. و الأدهى أنهم لايزالون على حالهم تلك بعد كل ما حدث . فأنى لهم أن يتوقعوا سقوط الجدار ثم يتعاطوا مع تبعاته وحياتهم الفكرية مشلولة ومجتمعهم المدني مهمش وجامعاتهم ودوائرهم الفكرية يحكمها ويديرها الولاء وهي أقرب لخلايا للحزب الحاكم منها إلى ورشات فكر وعلم”ص15.
ولم يكن “سقوط جدار برلين” فقط هو الذي شكل صدمة للعالم العربي ،”فكما أجمع عليه جل الناظرين في تاريخ العرب المعاصر فإن الصدمة التي أحدثتها غزوة نابليون لمصر سنة 88 7 1 كان لها بالغ الأثر على الأثر على العرب إذ أفصحت لهم ببلاغة فائقة عن ما آلت إليه أوضاعهم بعد أن كانوا لايزالون يعيشون على أضغاث أحلام تردد وهم تفوق العالم الإسلامي ومناعته فداهمتهم الحداثة وهم في سباتهم ينعمون “ص21 . إنه السبات الذي هو الذي أصاب العرب ل”نفقد حيويتنا الفكرية وطاقتنا المبادرة الفاعلة والعمل الخلاق . فحراسة الأفكار هي مقتلها. و انغلاق الهويات علامة على ضعفها أما الهوية المزدهرة فهي القادرة على التوسع والإنتشار،عبر عمل نقدي فعال” ص22 . و لكن أية هوية يهتم بها الكاتب ؟ ذلك هو عنوان العنصر الثالث من الكتاب . فهل “وقع تناول هذه الهوية بعيدا عن البديهيات ودون أن يعد القائلون بغير ذلك،من العرب أو المستشرقين ، مشككين يبثوننا سمومهم الخبيثة خدمة للمطامع الغربية قصد إفشاء الشقاق و الفتنة في جسم الأمة؟ص26,الجواب ، سرعان ما يقدمه الكاتب ليبرز أن هؤلاء المتناولين “استعاضوا عن العقل بالعاطفة ملهبين مشاعر الجماهير و دفعونها إلى حلم مستند إلى سراب كقول ميشال عفلق واصفا القومية العربية :”هي حب قبل كل شيئ، هي العاطفة نفسها التي تربط الفرد بأهل بيته،لأن الوطن بيت كبير و الأمة أسرة واسعة .والقومية، ككل حب،تفعم القلب فرحا وتشيع الأمل في جوانب النفس’ص27-28.
سؤال الهوّيات:
ولعل هذه الفورة العاطفية هي التي جعلت د لطفي المرايحي، صاحب الكتاب يتساءل في عنوان فصله اللاحق “من أنا /من نحن” ؟ . يعود الكاتب هنا إلى العناصر المذكورة في الفصل السابق و المحددة للهوية، وهي التالي:” “ينظر إلى العناصر المعتقد أنها تشكل الهوية العربية على أنها واضحة جلية المعالم لاتحتاج لإثبات و لا إلى حجة و برهان و كأنها من البديهيات المسلم بها، فالدين دين الإسلام، و اللغة العربية وما أدراك ماهي و التاريخ دفتر أحداث و تواريخ وقائع و أسماء ألقت بظلالها على ماضينا و اشرأبت أعناقها إلى حاضرنا”. ص31 . يساعدنا هذا الدفتر على استحضار الهوية “الحقيقية” من خلال الغوص في الماضي علاوة على أنها لاتقيم حسابا للمتحولات فهي تسعى إلى انتشال “القيم الصحيحة” من الماضي فيصدها بتعدده واختلاف شواهده فما يسعها إلا أن تشتق منه ما يصب في مجاريها و يلائم طروحاتها و تتغافل عما زاد على ذلك أو تشكك فيه” ص34 فماذا عن اللغة العربية و تأسيسها للهوية ؟ يفرد المؤلِّف إليها عنوانا لفصل .”تمثل اللغة العربية أبرز العناصر التي تتمحور حولها فكرة الإنتماء العربي الواحد و غالبا ما اعتبرت الشرط الأساسي المتقدم على باقي العناصر الأخرى بل يعدها بعضهم الشرط الكافي المتعدي بذاته”. ص 41. ” الدور الأساسي للغة هو التواصل بين الناس. ولاتلعب الكتابة إلا دورا ثانويا لتثبيت ما يقال عبر رموز دون أن تمس من الجوهر في شيء.ص 42 .أما عن اللغة بوصفها أداة ناقلة فيبين أن “اللغة بنيان تنظمها و تديرها قواعد و لكننا نتمتع بالحرية التامة في أن نقول ضمنها ما نريد….تحركنا في كل هذه الحالات أهواؤنا أو مرجعياتنا فنستخدم اللغة من حيث لا ندري وسيلة لبلوغ ما نريد لا كأداة لاستجلاء ما لانعلم”.ص45. وفي نقده للمقاربات التلفيقية يواصل إبراز ذلك:” “فتوظف مفردات و اشتقاقات لتغذية خطاب تقدمي إسلامي بتغافل تام عن الأصول التاريخية الفكرية لها واتصالها بل وبروزها من رحم فكر و فلسفة تقف أحيانا على نقيض التصور الإسلامي.فاختصار الديمقراطية في الشورى بدعوى أنها تصور مرادف لها أبان عنه الإسلام قبل أن يجري ذكرها يدل في أبسط الأحوال على سذاجة في الإدراك لكُنه الديمقراطية و انخراطها في منظومة كاملة ليس أقلها الإعتراف بالمواطنة. …حيث يكتفي بعض السطحيين بنوع من التنوير الرومانسي للإسلام،فيؤكدون –بنبرة دفاعية أن الإسلام ينطوي منذ نشأته على العقلانية و العلم الحديث، والديمقراطية، والإشتراكية..إلخ ص 45-46.
أما العنصر الآخر المحدد لتركيبة الهوية فهو ما يفرد له المؤلف عنوان فصله اللاحق وهو “الدين”.إذ يقول : “إن القول بالإسلام عنصرا محددا جاء محاولة لاستيعاب الأقليات التي لا تنطق العربية أو ليست العربية لغتها الأم.وبذلك لا ترى في الثقافة العربية مرجعيتها الأولى و لم يبق سوى الدين لاحتوائها داخل المنظومة الكبرى.وهذه حال العنصر البربري في شمال افريقيا مثلا”.ص48 .. يرى د المرايجي أنه وإن كان “الأبلغ من ذلك أن بلدانا غربية استطاعت استيعاب المختلف عنها وحفظت له حقه في ممارسة شعائره ووسعت له من باب الرزق ومكنته من القول..” ف”إن الإصرار على تأصيل كيان عربي أملس،موحد اللون لن يحمل بين ثناياه سوى أسباب إخفاقه…”ص 50 .ويوظف المؤلف عبر توسيع أداوته التشريحية للفكر الديني المقاربة العلمانية لسمح لقارئه رؤية أوسع لتراثه الدينيي. وقبل أن يقتحم مسألة الهوية من عنصرها المحدد الثالث و هو التاريخ، يعرج على ثنائية “الإسلام …والعروبة” ، عنوان الجزء الموالي . حيث ينبه أنه:”على تعاقب الأزمنة و تداول العائلات المالكة على الخلافة فإن المرجعية الإسلامية ظلت البند الراسخ والمتقدم على من سواها، الحاكم و المحكوم باسمها، وكلمة السر الجامعة لكل القوميات”ص 60.ويظل مرة أخرى عنصرا اللغة والدين محددّين في هذا الإتجاه التوحيدي بين الإسلام و العروبة ف”لئن كان أكثر العرب مسلمين فإن أكثرية المسلمين ليسوا عربا فهم لا يمثلون سوى خمس مسلمي العالم. ومع ذلك فالواقع العربي يؤكد على وجود إحساس جماعي بتقاسم العروبة تحت غطاء و مرجعية إسلامية لا تجد فيها الأقليات من هذا المنظور موضع قدم راسخ فهي إما داخل المنظومة بقدم إسلامي أو بقدم لغوي “.ص 65. وبعد أن يستعرض مختلف تجارب و صيغ الزواج بين العروبة و الإسلام ضمن مختلف التجارب الثقافية لهذه الحضارة الكبرى من أندونيسيا إلى إيران مرورا بمصر و باكستان ، يستقر الرأي عند مؤلفنا بأنه” في ضوء ما تقدم يصبح الإنتماء إلى الإسلام كعنصر للتعبئة و رص الصفوف لا يستقيم إلا متى تحاشينا توظيفه سياسيا و أبقينا عليه كمعالم عريضة جامعة دون إخضاعه للعصر لا لإن الإسلام لا يمكن ملاءمته مع الواقع و إن كان متغيرا “.ص 67 .إ نه النفوذ الذي يجعل مرة أخرى “وجاهة الدعوة العلمانية وما قد ينجر عنها من فوائد من حيث هي تخط للفوارق الدينية في التصورات و الممارسة و المذاهب،وكونها تشكل وعاء شاملا يمكنه استيعاب المجموعة العربية على صورتها المفتوحة متجاوزة لمآزقها الدينية ” ص68 تصطدم ب”واقعية تحيلها إلى خانة الحلم البعيد المنال التي تقف دونه صراعات حتمية لابد لها أن تستكمل ومع الأسف دامية لابد لها أن تقع.فمتى استنفذت كلها و أيقنت جميع الأطراف أنه لاخلاص لها في إحكام العقل سيحال حينها القول إلى الفرد ليعبر عن تصوره للدين ومكانته بعد أن غيرت الأحداث فهمه له و توظيفه إياه.والغالب أنه سيعبر عن رحابة صدر أقرب ما تكون إلى العلمانية إن لم تكن العلمانية ذاتها”.ص 68-69 .وعن التاريخ “ثالث الثلاثة من معرفات الهوية في الأدبيات العربية الوحدوية،..”ص 72.فهو حسب الكاتب ” يقع إخراجه في شكل شواهد تقرأ قراءات موجهة للتدليل على عمق الروابط بين الأقطار العربية مع التركيز على الحقبة الممتدة بين انتشار الإسلام في مختلف الربوع التي تعد مع التركيز على الحقبة الممتدة بين انتشار الإسلام في مختلف الربوع التي تعد اليوم عربية ونهاية العهد العثماني و احيانا حتى قيام الدول القطرية.دون أن يفوت الإستشهاد بالمد التضامني الذي برز بين الأقطار العربية إبان صراعها التحريري من القوى الإستعمارية “.ص 72 .ويلاحظ المؤلف حول مفهوم التاريخ كمحدد لمسألة الهوية أنه ” أيا كان الركن المتحدث عنه من الأركان المعتبرة أساسية للتأكيد على الهوية العربية من لغة و دين و تاريخ فإن الآليات الدلالية في الادبيات العربية هي ذاتها، خلاصتها استحضار لشواهد منتقاة من الماضي و سحبها على الحاضر دون مراعاة لحرمة المتغيرات” ص 72-73 .لينتهي الحفر في هذه المحددات الثلاثة بالمؤلف إلى طرح سؤال “من الآخر؟” . في سلسلة إجاباته يرى أنه’” من المنظور العربي فإن الآخر عدواني بطبعه، فهو الذي قرع أبوابه و اقتحم بيوته وجثم على مقدراته و أورثه تاريخا محموما بالدماء و الدموع و أشاع فيه الفرقة و مزق أوصاله.بل لا تكتفي الذاكرة بالتاريخ المعاصر فتراها تنبش في العصور القديمة مستحضرة الحروب الصليبية للدلالة على عدوانية الآخر المبكرة”ص 80.و هي عدوانية تؤدي إلى “حتمية صراع الأنا و الآخر” وهو عنوان الجزء الموالي .يرى الكاتب في هذا السياق التصادمي أن “التفرقة بين الأنا و الآخر ليست عفوية وإنما تقتضيها حتمية الصراع الماضي أو الدائر أو القادم.إنه تحديد عدواني إن آجلا أم عاجلا تكون نتيجته هويات مغلقة تستهوي على الخصوص المجموعات الضعيفة التي تبحث بشكل أو بآخر عن الإنطواء على ذاتها و تخشى الإحتكاك بغيرها لأنها تعي أن خطابها و فعلها لا يرتقيان إلى محاجة المجموعات القوية ومنافستها” ص89.أما عن السؤال اللاحق “كيف يرانا الآخر؟” .
خاتمة :
ينبه المؤلف في النهاية  الى أنّه “علينا ألا نغترّ ونحن نقرأ صورتنا في كتابات الآخر بما يبدو عليها من رصانة علمية و منهجية، فالأرقام و الجداول يمكن أن تقرأ وتفسر قراءات وتفاسير شتى” ص95. وهو يدعم تنبيهه ب”الباب الذي خصصه سامويل هنتنتغتون في كتابه عن صدام الحضارات لما سماه ب”الحدود الدامية للإسلام” فبعد أن رصد أن من اصل واحد وثلاثين نزاعا عنيفا بين فريقين أو أكثر من ثقافات مختلفة يشارك في واحدا و عشرين منها طرف مسلم استنتج أن عدوانية الإسلام هي السبب في انقياد المسلمين في هذه النزاهات و المبرر لها ” ص 95.ولذلك يستنتج المؤلف في الصفحة الموالية أن ” الأهم التركيز على صورة الأنا و تبلورها في شكل يرضاه و يعتد به لأنها تترجم ما هو عليه فعلا.أما الآخر فمهما اجتهد و احتاط و حاذر فيتسرب من معالجته لصورتنا شيء من تصوره لنا أي ما ارتسم عنده و استبطنه عنا ص96 ومعنقده لمركزية الرؤية الفلسفية الغربية المتجسدة من خلال كتابات هنتغنتون ، فإن المؤلف يعلن من جهة أخرى تباينه مع نظرة الفيلسوف محمد عابد الجابري في قولها بأن ” العقل الأوروبي لايعرف الإثبات إلا من خلال النفي،وبالتالي لا يتعرف إلى “الأنا” إلا من خلال “الآخر”ومن هنا لا يستطيع التفكير في المستقبل إلا من خلال “سيناريهوات” يرسم فيها لنفسه “الآخر” العدو المنتظر.ص 96.أما عن السؤال الآخر الذي يطرحه الكاتب في الجزء الموالي تحت عنوان” اغتراب أم حداثة” ؟ يتوصل هذا الأخير بعد جملة من الأسئلة الفرعية و التحليلات إلى الإستنتاج ب”إن الحضارة الغربية ليست كلا واحدا قابلا لتصدير أو جملة قيم صالحة لكل الشعوب كما استقر في خلد المحافظين الجدد “ص 109.
مركز الدراسات الاستراتيجيّة والديبلوماسيّة.
 

 

أكتب تعليق 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *