هل يمكن أن تجهض وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي جهود الحوار بين الأديان والثقافات ؟

هل يمكن أن تجهض وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي جهود الحوار بين الأديان والثقافات ؟

 

تواصلت اليوم أعمال مؤتمر مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان في يومه الثاني والأخير بمناقشة عدد من المحاور التي تسلط الضوء على أهمية تغليب لغة الحوار والأمن الروحي من أجل التصدي لكل الانحرافات الضالة والمعتقدات الفاسدة والتأويلات المغرضة والتفسيرات الخاطئة التي تثير الفتن الدينية، والتعصبات العرقية والاضطهاد والظلم، وكل ما يؤدي إلى تمزق النسيج الروحي للمجتمع، وتكون محاربة هذا كله بالأساليب المناسبة والمناهج الملائمة ومواجهة الفكر بالفكر.
دور الاعلام السلبي في تشكيل المبادي والقيم
أجمع المتحدثون على الدور المركزي الذي يلعبه الإعلام في تشكيل المبادي والقيم الفكرية والأخلاقية، وبناء صور نمطية عن أديان وطوائف محددة، وقالوا إن لوسائل الإعلام طرق مختلفة في بناء الصور التي تريدها، وذلك في جلسة دور الإعلام السلبي في تشكيل المبادي والقيم الفكرية والأخلاقية في محور أساليب ووسائل زعزعة الأمن الفكري والأخلاقي.
وقالت مريم فيلييز الباحثة بمركز الدراسات الاجتماعية والدينية في هافانا إن الإعلام يمتلك تأثيرا كبيرا، ويستخدم تقنيات مختلفة لتقديم صور مشوهة ومعلومات خاطئة وبناء صور نمطية، وأضافت أنها من خلال متابعتها لأجهزة الإعلام المختلفة في كوبا، أدركت أن الإعلام لا يلعب دورا إيجابيا في تقديم صورة عن الإسلام، إذ إن هناك اتجاها لربط الإسلام بالعنف والإرهاب، وهذا يودي إلى تنميط الإسلام  كما هو معروف في علم النفس.
وأشارت إلى أنهم عندما طبقوا تقنيات الرسم والكلمات الحرة لمعرفة رأي طلاب الجامعات في المسلمين، رسم غير المسلمين صورة المسلم مع السلاح أو في أوضاع عنف مختلفة، بينما ربطت الكلمات الحرة بين المسلم وكلمات مثل مجانين، مختلفين، غرباء، متعددي الزوجات، إرهاب، قنابل، نزاعات، تعصب، وأوضحت “عندما حللنا هذه الأشياء وجدنا أن هنالك جهلا كبيرا بالإسلام والمسلمين، وعملنا من خلال عمل ثقافي كبير وباستخدام علم النفس على تغيير هذه الصور النمطية”.
بدوره قال الدكتور مصطفى لحكيم من المغرب إن بعض المسلمين استندوا على نصوص دينية لارتكاب القتل والولوغ في الدماء على الرغم من اشتمال الدين الإسلامي على قواعد منظمة للرحمة والتسامح وتحقيق الأمن الروحي والتقارب الفكري وصيانة الحريات الدينية.
وأكد لحكيم أن الإسلام أرسى فقه التعايش الذي ساهم في تعزيز الحريات الدينية، مشيرا إلى أن هذا الفقه يوضح أن السلم مقدم على الحرب، فالإسلام مشتق من السلام، والسلام من أسماء الله الحسنى، والأساس الثاني لفقه التعايش هو الأخوة الإنسانية وفي القران الإنسان أخ الإنسان، والله خلق الناس من نفس واحدة، الأمر الذي يعطي هذه العلاقة مكانا ساميا، والأمر الثالث هو أن الاختلاف سنة كونية يجب أن لا نلغيها، وأن الله إذا أراد جعل الناس أمة واحدة، ولكن التعارف مقصد إلهي.
وقال لحكيم إن فقه التعايش ساهم في تحصين إرادة الاختلاف من المصادرة والتضييق، وعمل على تحصين الحريات العقدية والأمن الروحي والفكري.
من جهته قال الدكتور كيث كان هايس من المملكة المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية أصبح نمط التغيير سريعا، وتعرضت الأديان والثقافات إلى تحديات أساسية، إذ إن التكنولوجيا امتدت إلى كل أرجاء العالم، وأصبح من الصعب العيش بالطريقة القديمة إذ إن الإعلام لايعطيك هذه الفرصة.
وأشار كيث إلى أن المتدينين اعتمدوا عدة طرق  لمواجهة الإعلام، أولها المقاومة ويتعاملون معه على أنه خطر يحظر التعامل معه، وبعض الطوائف الدينية تحظر التعامل مع الهواتف الذكية والإنترنيت، إلا في أضيق حدود.
بدوره قال الأب روود باوور من أستراليا إن البعض ما زال يعتقد أن أستراليا مستعمرة للبيض، لذلك يتم استخدام المسلمين كفزاعة لمواجهة واقع التغيير، والساسة يبذلون جهدهم لإقناع الأستراليين أن المهاجرين يشكلون تحديا للمجتمع، الأمر الذي أدى إلى أزمة هوية.
من جهتها، تطرقت مناد بوشفرة سليمة من الجزائر إلى دور الإعلام في خلق معسكرات مختلفة بالاستناد إلى قضية الصحفي الجزائري كمال داود، والتي جعلت كل معسكر يتجه للإعلام بغرض فرض وجهة نظره وتحشيد الرأي العام لها.
بدوره قال يعقوب إبراهيم من القدس فلسطين إن الإعلام يحدد لك هويتك فمعظم الناس يقول لي أنت من عرب48، أو عربي إسرائيلي، دون أن يسألني أحدهم كيف أعرف نفسي، وأنا فلسطيني من القدس، لكن الإعلام يعطيك إسما آخر.
وأكد يعقوب أن الإعلام يعمل على بناء الهوية، مشيرا إلى كلمة احتلال ترافق كلمة يهودي في الإعلام العربي، بينما كلمة إرهابي مرتبطة بالإسلام في الإعلام الإسرائيلي.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي
خصصت الجلسة الثانية ضمن مؤتمر الدوحة الثاني عشر لحوار الأديان، جدول أعمالها صباح اليوم “الأربعاء” لمناقشة “تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأمن الفكري”، حيث ناقش خبراء وأكاديميون الأساليب والوسائل التي تسهم في زعزعة الأمن الفكري والأخلاقي، وحقيقة الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام الجديد في الحفاظ على ثوابت الأمن الفكري للأفراد والمجتمعات، من ناحية أو نشر العنف والتطرف ودعم الإرهاب من جهة أخرى.
وقال المهندس زهير الشاعر، رئيس المؤسسة الكندية للحوار الثقافي، إنه في ظل عدم توفر التحصين الفكري المطلوب للحفاظ على النسيج الاجتماعي للجيل الحالي من الشباب، فإنه من الصعب مواجهة زعزعة الأمن الفكري الناتج عن الممارسات الخاطئة لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تشكل خطرا استراتيجيا لانهيار الأمن الفكري والمعرفي والديني لهؤلاء الشباب.
وأشار الشاعر إلى إنه في سياق هذا الوضع المتخبط يبقى الشباب دون درع يحميهم من مخاطر الابتزاز الإرهابي والتغرير بهم واستقطابهم نحو الأفكار الملوثة الهدامة، ووقوعهم فريسة في شبكة الإرهاب، مما يعزز انتشار ظاهرة الانحراف الفكري في العالم وخصوصا العربي والاسلامي نتيجة الخضوع للغزو الاعلامي الموجه.
ولفت الشاعر في معرض حديثه إلى سيطرة الشبكة العنكبوتية على أجزاء ضخمة من العالم، وتشعبها في حياة البشر، حيث إن عدد سكان العالم وصل إلى 7.2 مليار نسمة، 42 % منهم يستخدمون الإنترنت، فيما يستخدم 29% منهم مواقع التواصل الاجتماعي، 51% منهم يستخدمون الهواتف النقالة، ويدخل نحو 23% منهم إلى مواقع التواصل الاجتماعي عبر الهواتف الذكية.
وأضاف الشاعر أن هذا التطور الكبير نتج عنه عدة مفاهيم ملحة لابد أن تعطى درجة عالية من الاهتمام، ومنها الأمن الفكري، مشيراً إلى انه حق من الحقوق الأساسية التي تساهم في استقرار المجتمعات، وذلك من خلال التصدي للانحراف الفكري وبالتالي تتلاشى الآثار السلبية على الفرد والمجتمع، مما يجعل تفعيل مبادئ الأمن الفكري ضرورة ملحة باعتباره من أهم الدوافع والأسباب للجنوح للعنف والارهاب أو الوقاية منه وحاربته.
وعن أهمية الأمن الفكري والآثار المترتبة عليه، قال أنها تكمن في حفظ الفرد والمجتمع والدولة ودوره الحقيقي يبرز في تحقيق الاستقرار والطمأنينة ومن ثم البناء مما يحفظ الكرامة الإنسانية وحقوق الأفراد وخصوصياتهم، فينعكس ذلك بالتبعية على الأمن والامان من خلال الوقاية من الانحراف والتطرف، والحفاظ على التماسك الأسري، الذي يمثل المدخل الحقيقي للإبداع والتطور.
إيجابيات وسلبيات
ونوه الشاعر إلى ان الدور الإيجابي لوسائل التواصل في الأمن الفكري، يكمن في تسهيلها عملية الإبحار في المعرفة وفتح المجال للإبداع الفردي والجماعي والمساهمة في السلم الأهلي وتبادل الثقافات بين الأفراد والجماعات، مشيراً إلى ان هذه المفاهيم استخدمت بشكل فاعل في الانتخابات الأمريكية التي فاز فبها باراك أوباما وكذلك في الانتخابات الكندية التي فاز بها رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، حيث تم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مؤثر وحيوي للوصول للجماهير.
وأردف: “يتمثل الدور السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي في الأمن الفكري في الاختراقات الأمنية ونشر الأفكار الشاذة والمنحرفة، وانتهاك الحريات الشخصية، وعمليات القرصنة والابتزاز”.
وطالب رئيس المؤسسة الكندية للحوار الثقافي، وسائل الاعلام المعاصر بالمساهمة الأكثر فاعلية في تنمية قدرات المجتمع وضبط الاستجابة الإعلامية لمتطلبات الأمن الفكري وفتح المجال أمام العملية الإبداعية للشباب وتحفيزهم دون خوف أو تردد للمشاركة في بناء المجتمع.
وشدد على أهمية التوظيف الأمثل لوسائل الإعلام واستثمارها لنشر الفكر الآمن والتحذير من الفكر المنحرف وخصوصا الغزو الفكري، على أن يتم مراعاة ضوابط العمل الإعلامي ووسائله وتقنياته، بما يخدم سلامة النشأة الفكرية للمجتمع وحمايتهم من التأثيرات السلبية للفكر المنحرف، فضلاً عن توجيه بوصلة الأفراد إلى المواقع والمنتديات المفيدة التي تحمل أفكارا ايجابية وبناءة تساهم في بناء شخصية محصنة وقوية ومبدعة، بالإضافة إلى اتباع آلية محددة لفلترة المواقع المحرضة على الارهاب والتطرف والإباحية بشكل صارم من قبل أجهزة الدولة.
حيادية وسائل الإعلام
من جهته تحدث الدكتور شو يونج كيم، وهو أستاذ جامعي في كوريا الجنوبية، عن كيفية الوصول إلى حس منطقي للتواصل على مستوى الأفراد والمجتمعات، وكيفية تطبيق هذا الأمر على الحوار الديني والإعلام الجماهيري فكلاهما على حد قوله مرتبط بالإنسان.
وطالب وسائل الإعلام الجماهيرية بضرورة توخي الحذر خصوصا عندما يتعلق الأمر بالقضايا الدينية، لأن الإعلام أحيانا ينحاز لفكرة دون أخرى وينشر الأخبار دون تدقيق في المنطق أو الواقع وراء هذه القصص الإعلامية، مشيراً إلى أن بعض وسائل الإعلام لا تكترث بمن ستنفعهم أو تضرهم الأفكار التي يروجون لها إخباريا، وهو شكل من أشكال الهروب من الفهم، فالمحتوى الإخباري مهم، ولكن الأهم هو فهم الفرد والمجتمع والمخاطر التي تحيط بهم.
ودعا شوي ونج كيم الصحفيين والإعلاميين بضرورة عدم النظر إلى القشور وظواهر الأمور ولكن يجب عليه التركيز على المضمون ومردوده على الجميع، وأن يطرحون أسئلة دقيقة ومركزة للوصول لمعرفة المفاهيم المختلطة والوصول لنتيجة وفقا لمبدأ معين، يطلقون بعدها الأحكام بمشاركة خبراء ومتخصصون في المجالات المعنية وبذلك نجتاز عدم الحيادية والانحياز.
تكاتف رجال الدين
الحاخام “ديفيد ميفيسير” من كندا، شارك هو الآخر في الجلسة، حيث قال: “نعيش اليوم في حقبة وسائل التواصل الاجتماعي وبالتالي فإن حفنة التحديات التي تواجه الأمن الفكري هي الأخطر في تاريخ البشرية فلم نعد نسيطر على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذه التحديات قديمة حيث برزت عبر التاريخ في إطار اكتشاف البشر للحقيقة ومعرفة الله”.
وقال إن الأنبياء عليهم السلام تجرأوا وحاربوا الأفكار القديمة، ووضعوا قواعد الفكر القويم منذ القدم، لذا يجب أن نفكر كيف نفسر التعاليم الدينية التي نقلها الأنبياء تحقيقا للأمن الفكري.
وطالب الحاخام بضرورة تكاتف القيادات الدينية بما لها من تأثير روحي وفكري على المجتمعات، للتصدي للظواهر والسلوكيات المعيبة من الأفراد او الجماعات، كما دعا إلى التأكد من أن وسائل الإعلام تقد الحقيقة لمن يبحثون عنها دون التحيز او الانجراف وراء أيديولوجيات معينة.
الإرهاب الإلكتروني
أما الدكتور محمد شكري، الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة كردستان العراق، فقد أكد على أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا أساسيا في الترويج للإرهاب والتطرف والعنف واستقطاب العناصر المؤهلة للانحراف.
واستشهد شكري بأبحاث تشير إلى أن 80 % من الذين انتسبوا إلى الجماعات الإرهابية تم تجنيدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي حيث أن عدد المواقع المحسوبة لهذه الجماعات ارتفع من نحو 12 موقعا الكترونيا عام 1997 ليصل بحسب الاحصائيات الحديثة إلى أكثر من 150 ألف موقع حاليا.
وحذر من تنامي ظاهرة الارهاب الالكتروني والتي كانت سببا رئيسيا في انتشار العنف والتطور كنتيجة حتمية للفكر المنحرف، حيث يرى “شكري” أن وسائل التواصل الاجتماعي تساهم في تسهيل التنسيق بين أعضاء الجماعات الارهابية في مختلف المجتمعات، من خلال التفاعل الآني أثناء تنفيذ العمليات الارهابية، وتوفير مجتمعات افتراضية متغيرة تتكون بصورة تلقائية خلال الأحداث الكبرى، ونشر الأفكار والمعتقدات بصورة سريعة، وتسهيل التحويلات المالية فيما بينها والحصول على التبرعات والمساعدات.
الجلسة الأولى: الدين.. وحدة إنسانية مشتركة
خصصت الجلسة العامة الأولى لمؤتمر الدوحة الثاني عشر لحوار الأديان لموضوع “الدين وحدة إنسانية مشتركة للأمن الروحي والفكري” وعرض فيها أكاديميون ومتخصصون دور الأديان في تدعيم القيم الإنسانية وتعزيز الأمن الروحي والفكري للمجتمعات البشرية.
واتفق المتحدثون على أهمية دور الأديان في الوقت الراهن لمواجهة التحديات في مجال الأمن والسلم وحماية المجتمعات من الانحراف الفكري والتطرف الديني وإشاعة قيم التسامح والاحترام والعيش المشترك.
وأكدت الدكتورة مريم آيت أحمد أستاذة الأديان المقارنة والفكر الإسلامي (المغرب) أنه لا سلم اجتماعي ودولي، دون حماية الفكر، ورأت أن كل سلوك وانحراف، يبدأ بزعزعة الأمن الفكري.
وأشارت إلى أن الأديان جميعها تتفق على احترام القيم الإنسانية والأخلاقية المشتركة، غير أنها تساءلت عما حققته القيادات الدينية العالمية لحماية الأمن الروحي والفكري للإنسان في ظل الحروب التي تشن باسم الدين.
ودعت الدكتور آيت أحمد إلى ابتكار آليات لحماية السلم المجتمعي والدولي ومواجهة التحديات المرتبطة بذلك، وقالت “إن هناك فكرا حيا لصناعة الموت ولابد من مواجهته بفكر حي يصنع السلام”.
ورأت أن نقطة الانطلاق لصناعة فكر حي يصنع السلام هي “البدء بمراجعة ذواتنا ومفاهيمنا حول النص التاريخي الذي كتبناه خطأ وتوارثته الأجيال، وأحدثت إقصاء للآخر، ورفضا لثقافته”.
ودعت إلى تبني ميثاق شرف عالمي لمنع ازدراء الأديان والمقدسات والمشاعر الدينية للآخر، والقيام بجهود بحثية تستثمر في المؤسسات التعليمية والأهلية لتعزيز الأمن الفكري والروحي وتوسيع مدارك المتلقي لاستيعاب مفهوم أرض الوطن، بالموازنة مع أرض المواطنة العالمية، في إطار احترام التنوع الثقافي والديني. ودعت في ختام مداخلتها إلى تأسيس هيئة دينية عالمية لها سند قانوني دولي تكون منبرا وصوتا للقيادات الدينية لتعمل بالتشارك مع القيادات السياسية بما يخدم السلام والأمن العالمي ويواجه مهددات الأمن الفكري والروحي.
الوسطية في الدين الإسلامي
من جانبه، تحدث الحاخام أوليفر ليمان من الولايات المتحدة الأمريكية حول اهتمام الأديان بالأمن الروحي والفكري، مشيرا إلى الوسطية في الدين الإسلامي وقيم الصبر والتسامح في المسيحية.
بدورها، قالت أمينة حوتي، من المملكة المتحدة إن لدى الحضارات الدينية نماذج رائعة للتعايش مشيرة في هذا الإطار إلى الحضارة الإسلامية في الأندلس التي استوعبت أهل الأديان كافة، ودعت لقبول التنوع والتعدد واحترام الآخر وتكريس الجهود لتعزيز هذه القيم.
ونوهت في كلمتها بجهود دولة قطر في مجال الحوار الحضاري والديني من خلال مثل هذه الملتقيات والمنتديات بما يعزز السلام والأمن في العالم.
من ناحيته ركز باتريس برودر من كندا على دور النظم التعليمية لترويج ثقافة التراحم والحكمة والتواصل بين الشعوب، بما في ذلك البرامج التعليمية لوزارات الشؤون الدينية، وشبكات التواصل الاجتماعي. وتحدث معز الخلوفي وهو تونسي مقيم بألمانيا عن تجربته في التعليم بالمدارس الألمانية بعد أحداث 11 سبتمبر، والجهود التي بذلت لتدريس الإسلام بمدارس ألمانية.
وختم الدكتور محمد سراج الدين شمس الدين من إندونيسيا الجلسة بمداخلة أشار فيها إلى أن العنف ليس ظاهرة فريدة للجماعات الإرهابية، فهناك عنف للدولة وعنف رأسمالي وعنف مجتمعي.
ولفت إلى أن الإسلام دين الرحمة والسلامة، والمشكلة في عدم قدرة البعض على فهمه على نحو صحيح، محذرا من وجود عناصر غير دينية واقتصادية وسياسية، من قبيل انتشار الظلم، تستغلها بعض المجموعات التي لديها الذخيرة الكافية لتفسير الدين على نحو خاطئ.
وأوضح أنه “لا بد من تبسيط الديانة الحقة، وتعزيز الوسطية، ونشرها لتشكل اتجاها سائدا في مجتمعاتنا، من خلال التربية والتعليم، وأن يكون لنا خطاب مناوئ للخطاب التطرفي، ويقظة السواد الأعظم من الغالبية الصامتة لتكون يقظة وتلعب دورها”.
وختم قائلاً: “نحتاج لإطار حوار مختلف، لا يكتفي بالحوار بين الأديان، بل بالحوار داخل الدين الواحد، من خلال حوار صادق يصل بنا إلى حل المشاكل”.
جوهر العلاقة بين الأمن الحسي والفكري
وعقب الجلسة العامة عقدت ثلاث حلقات نقاشية الأولى حاولت الإجابة عن سؤال حول تحديد جوهر العلاقة بين الأمن الحسي والأمن الفكري، فيما تناولت الثانية محور حماية حقوق الأفراد وحرياتهم الدينية والفكرية في المجتمع، وركزت الثالثة على أهمية الوازع الديني كمنبع للقيم الأخلاقية.
وفي الجلسة العامة الثانية ناقش المشاركون أساليب ووسائل زعزعة الأمن الفكري والأخلاقي وتحدث علماء ومفكرون من أتباع الأديان من قطر والولايات المتحدة وباكستان.
وتحدث سامي النشاشيبي وهو ناشط مسلم في الولايات المتحدة الأمريكية عن بعض الأحداث التاريخية التي رأى فيها انحرافا عن جوهر الأديان السماوية وتداعيات ذلك على العلاقة بين اتباع الأديان، فيما رأى ريفين فايرستون الأستاذ الجامعي في الولايات المتحدة أن أكبر مهدد للأمن الفكري والروحي هو التكفير، وقال إن التكفير ورفض الآخر يهدد الأديان برمتها.
الإرهاب خطر مهدد للأمن الروحي والفكري
إلى ذلك أكد الشيخ الدكتور علي القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن الارهاب خطر يهدد الأمن الفكري والروحي، مشددا على رفض إلصاق الإرهاب بأي دين من الأديان، وقال “إن الأديان وفي مقدمتها دين الإسلام جاءت بالسلام والمحبة والأمن والرحمة لبني البشر”.
ودعا جميع أتباع الأديان إلى الترفع والتسامي عما يزعزع الأمن بمفهومه الشامل والتعاون المشترك بما يصب في مصلحة البشرية ويحقق الأخوة الإنسانية.
ولفت إلى مقاصد الشريعة في الإسلام والمتمثلة في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والعرض وحماية أمن المجتمع، وأمن الدولة ككل، وقال “هذه مقاصد الشريعة الإسلامية ولعلها مقاصد مشتركة في جميع الأديان وفي محصلتها النهائية هو الأمن الشامل الفكري والروحي والإنساني وهي غاية إرسال الرسل وإنزال الكتب”.
وأكد الدكتور القره داغي أن الغلو والتطرف لم يأتيا من فراغ بل كانت لهما مسببات كثيرة على رأسها الاستبداد والطغيان والدكتاتورية والفهم العقيم للنصوص الدينية.
كما تحدث في الجلسة جافيد وليامز من باكستان حول دور المعرفة في الأمن الفكري، داعيا القادة الدينيين والعلماء والمفكرين في جميع الأديان للمساهمة في رفع مستوى الوعي حول القضايا الدينية وتعزيز قيم التعايش والعيش المشترك.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *