تونس بين قوارب الموت وهجرة الأدمغة  بقلم مريم فجّاري

تونس بين قوارب الموت وهجرة الأدمغة بقلم مريم فجّاري

الزيتونة أون-لاين :

مريم فجّاري
صحفية بإذاعة الزيتونة

لقد تحوّلت قضيّة الهجرة غير الشرعية في تونس خلال السنوات الأخيرة إلى هاجس يؤرق عقول الباحثين ويثقل كاهل وحدات الأمن البري والبحري في تصدّيهم لقوارب الموت العابرة عبر البحر إلى أوروبا في مغامرة محفوفة بكل أشكال الخطر انتهت الآلف منها في عرض البحر غرقا او انتشالا وآخره اصطدام خافرة عسكرية بمركّب للحرّاقة في المياه الإقليمية التونسية على بعد 10 دقائق من المياه الدولية أين لاحقت الخافرة العسكري “صدر بعل” قارب الموت ورشه بالمياه لمنعه من اجتياز الحد البحري حاملا 100 شخص من بينهم امرأة وطفل عمره 14 سنة ، لتقع عملية اصطدام بين القارب والخافرة أودت بحياة 8 أشخاص حدّ كتابة هذه السطور .

ولعّل والمتطلّع في وجوه الشباب “الحارق” لايرى غير البؤس وفقدان الأمل  من جهة ي والرغبة الجامحة في هجرة إلى أرض أوروبا يعتقد أنها خلاصه من الفقر والبطالة ، فالظرف الذي تعيشه البلاد ضاقت بشبابها قسوة الظروف الاقتصادية والإجتماعيةوانعدام فرص التشغيل رغم ان الهجرة غير الشرعية التي يغامر فيها الشباب تكّلفه قرابة 5000 دينار كفيلة بمشروع صغير يبدا به حياته لو توفّر دعم الدولة لهم  وهي تسعى جاهدة لبعث المشاريع الصغرى والمتوسّطة  وتوفير فرص تشغيل وتنمية  رغم عديد النقائص الناتجة عن صعوبة الوصع العام واكراهات صندوق النقد الدولي واقبال الحكومة على قرارات موجعة تتطلّب لحمة وطنية للخروج بتونس من شبح تفاقم المديونية والعجز في الميزان التجاري .

موقع جغرافي متميز تحول الى نقمة

لعل أكثر ما يميز تونس تاريخا وجغرافيا هو موقعها المتميز الذي مثّل عبر التاريخ بوابة انفتاح على أوروبا شمالا وافريقيا جنوب الصحراء جنوبا ، إلا أن القرب من أوروبا المتزامن مع الوضع الاقتصادي الصعب رفع من عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين تم إيقافهم منذ شهر جانفي إلى شهر سبتمبر إلى 1384 شخصا حسب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصاديةوالاجتماعية ، وحسب السلط الإيطالية فإن عدد التونسيين الذين وصلوا سواحل إيطاليا  خلال ثلاث شهر الاىلاالالللأشهر الأخيرة قد بلغ 2700 شخص متوقعين أن يزداد الرقم إلى 50 ألف شخص لو تواصل على هذه الوتيرة .

ولعل اللافت في هذه الأرقام أن عقول الشباب لم تعد تعي ان أوروبا لم تعد هيا نفسها أوروبا الستينات والسبعينات وأنها لم تعد بدورها  في حاجة الى مهاجرين أجانب  أو الى يد عاملة خارجية  وخاصة التونسية منها نتيجة ما خلفته العمليات الإرهابية من ارتدادات على صورة التونسيين في الخارج بعدما تلبست بجنسيتنا صفة الإرهاب وأصبحت اليوم  صورة البلاد اليوم ضحية ممارسات عدد من الاجراميين والإرهابيين وقتلة الأبرياء الذين حتّموا على السلطات الاوربية مضاعفة الإجراءات الأمنية في المطارات ومعابر الحدود إضافة إلى الريبة والتخوّف من التونسيين المهاجرين هناك.

 

الشباب التونسي اليوم فقد الأمل من الوضع الراهن في أن يتغير الى الأحسن لكنه لم يفقد الأمل في القارب الذي سيجعله يمر من العسير إلى اليسير ، لكن هذا الموقع الإستراتيجي  الهام وإن نصفنا جغرافيا واقتصاديا فقد أصبح اليوم بمثابة المقبرة لشبابنا ولأحلامه وأمله في ماوراء البحر وقد تحوّلتن الهجرة غير الشرعية إلى هاجس يطمح إليه الشباب بأي طريقة و أي ثمن حتى لو كان هذا الثمن عمره وشبابه ودمعة أهله الذي باتوا حسب آخر التقارير الصحفية يهاجرون جماعيا ويستثمرون في  أبنائهم ليهاجروا في قوارب الموت .

هجرة الأدمغة نزيف المستقبل

ولعل الوجه الآخر للهجرة لو تحدثنا عنها  في مفهوم أشمل سنصدم أيضا بأرقام أخرى وخسائر تدفع تونس ثمنها غاليا وهي  هجرة الأدمغة من دكاترة وأطباء ومحامين ومتفوقين في الدراسة وكفاءات وطنية وإطارات ،وإن كانت هجرتهم بطريقة قانونية وشرعية فإنه لا يمنع انعكاساتها  على مختلف مجالات الاقتصادية والتعليمية والثقافية على المدى الراهن والقريب حين سنصبح دولة تعاني نقصا في الكفاءات أو الأدمغة  وحسب إحصائيات رسمية من منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية فإن معدل هجرة الكفاءات العلمية بلغ 94 ألف كفاءة اي ما يعادل 8.9 بالمائة من مجموع السكان التونسيين المقيمين بالخارج والأثر السلبي الذي تتركه هذه الهجرة على مستوى التقدم والتطور المطلوب في مجتمعنا التونسي في الميادين العلمية والفكرية والتربوية وهوما يعطل مشاريع التنمية والإصلاحات مما يفاقم التخلف السائد في مجتمعاتنا وذلك بعدما بات مقياس التقدم متصلا اتصلا وثيق بمدى تقدم المعرفة وإنتاجها

لتبقى الهجرة في الأخير ان كانت شرعية أو غير شرعية استنزافا لطاقات شبابنا الفكرية والتنموية والإستراتيجية فعمود الدولة وأساس مستقبلها هو شبابها الذي ان لم يمت غرقا في البحر فقد يفني عمره وشبابه في ذروة نشاطه وابتكاره في جامعات أوروبا والخليج العربي الذي يتحوّل بدوره إلى قوّة جذب مالي كبيرة للكفاءات التونسية الذي تخسرهم مؤسسات الدولة بعدما انفقت عليهم المليارات للتكوين والتدريس ثم تزفّهم إلى دول أخرى لتنتفع بعقولهم فتكلفة تخريج  الطبيب من التعليم التونسي على سبيل المثال تتجاوز مليون دينار من ميزانية الدولة إلا انها لا تنتفع بمن يهاجرون منهم وهذه خسارة مضاعفة لا تقدّر بثمن .لذلك نحن اليوم في حاجة إلى تحركات مختلف مكونات المجتمع المدني والسياسي من أجل لملمة شتات أبناءنا والحفاظ على مخزون الوطن الحقيقي والمتجدد وهو عقول أبنائها وطاقاتهم ،فتونس في حاجة الى الجميع من أجل أجيال الغد التي لن تجد من سيحمل معها أعباءه في المستقبل القريب غير شبابه.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *