إضاءات على تراث ابن خلدون الاقتصادي

إضاءات على تراث ابن خلدون الاقتصادي

تونس- الزيتونة اون لاين :

 

الإمام محمد محمود

باحث اقتصادي

على الرغم من إعتراف أغلب الأكاديميين والباحثين في الغرب بحقيقة أن عبد الرحمن بن خلدون هو الأب المؤسس لعلم الاجتماع ، إلا أنهم لا زالوا يتردوون في الاعتراف بإسهاماته في علم الاقتصاد الذي وضع ابن خلدون العديد من أسسه وقد بدى ذالك واضحا من خلال ما كتب عنه في كتابه “المقدمة” ، بدأ الغربيون اهتمامهم بتراث ابن خلدون مع بدايات القرن الثامن عشر حيث تمت ترجمة العديد من أعماله إلى اللغة الفرنسية عن طريق مجموعة من الباحثين منهم ضمنهم ناشته (1945) ، العيساوي (1950) ، سبينكلير (1964) وغيرهم وقد ساهمت هذه الترجمات إلى معرفة الكثير عن ثرات ابن خلدون واسهاماته في مجال الاقتصاد ، ومما جعل ابن خلدون يكتسب كل هذا الاهتمام كأكثر العلماء اسهاما معرفيا في القرون الوسطى هو منهجيته التحليلية للظواهرالاجتماعية والاقتصادية التى عالجها ضمن كتبه، حيث أنه لم يكن يشبه علماء المسلمين الذين عاصروه بل كان يفوقهم قدرة على التحليل الذي يستند إلى المنطق والأدلة سنحاول في هذا المقال تتبع تراث ابن خلدون الاقتصادي.

نظريات ابن خلدون الاقتصادية

من الملاحظ أن نظريات ابن خلدون في علم الاقتصاد قد غابت أو غيبت تماما عن مناهج البحث الأكاديمي التاريخية ، حيث يظهر التراث العلمي المترجم لابن خلدون سيطرة علم الاجتماع والتاريخ على هذه الترجمات في حين أن ابن خلدون قدم استقراء للعديد من الظواهر الاقتصادية التى طبعت عصره و قدم لها تحليلات عميقة تستند للمنطق ، فمثلا يقول في ما يتعلق بزيادة الضرائب وتأثيراتها على الدولة والمجتمع : “إن زيادة الجبايات على الناس من طرف السلطان المتغلب بعصبيته يؤدي إلى فساد الرعية وانصرافها عن الصنائع وانتشار الفتور والوهن واليأس بين أفرادها فتكون الدولة مهددة بالانهيار مع أو عدوان عليها حيث أن الناس سيغلبون بالعصبية الجديدة على السلطان الجائر”.

ولا تتوقف نظريات ابن خلدون على الضرائب فقط بل قدم كتابات كثيرة حول الفائض في المفهوم الاقتصادي ، السياسات التوجيهية للاقتصاد والتي ترتكز عليها الكثير من النظريات المعاصرة ، كما كتب حول نقص الإنفاق الحكومي على الجيش وتوجيه هذه النفقات إلى التعليم و التنمية البشرية ، وهذه النظرية يتبناها بعض الدول النامية اليوم حيث لجأت بعض هذه الدول تقليص حجم الإنفاق العسكري وزيادة الإنفاق على الخدمات التعليمية و التكنولوجيا، وقد شهدت الدول النامية التى تبنت هذه النظرية صعودا ملفتا في الإنتاح وتطورا ملحوظا في انتعاش الاقتصاد.

في مجال التبادل التجاري يعارض ابن خلدون الضرائب والتعريفات الجمركية ويعتبرها تحد من فاعلية التبادل التجاري وتعتبر نظريته في مجال تحرير التجارة أحد مرتكزات منظمة التجارية العالمية، الكثير من نظريات ابن خلدون في الاقتصاد اصبحت اليوم وجهة للباحثين والأكادميين نتيجة لفاعليتها. ويعتبر ابن خلدون أول من استخدم التحليل الإقتصادي في التنبؤ بنهوض وسقوط الحضارات ، والممالك والدول ، فمن خلال منهجيته القائمة على التحليل في استخدام المنطق و استنطاق التجارب استطاع ابن خلدون تقديم منهجية علمية تحليلية في معرفة الجانب الإقتصادي في إنهيار وسقوط الدول.

من نظريات ابن خلدون التى تستخدم بشكل كبير من قبل الاقتصاديين المعاصرين ما يعرف ب The Division of Labor” ” نظرية تقسيم العمل” وهي طريقة تنظيم الإنتاج حيث يتم تخصيص كل عامل لجزء مخصص من هذه العملية ، ومن ميزات هذه النظرية أنها تمنح فرص للعاملين بكسب مهارات في الأجزاء التي يتم تكليفهم بها، وقد اعتمد الأب الروحي للإقتصاد الكلاسيكي آدم شميث في كتابه ثروة الأمم على نظرية ابن خلدون في تقسيم العمل و أكد ذالك شومبيتر في كتابه “تاريخ التحليل الاقتصادي” حيث اعتبر أن ابن خلدون “كان عميقا في التحليل أكثر بكثير من آدم سميث”. وارتكزت نظرية تقسيم العمل عند ابن خلدون على ثلاثة محاور : محور وحدة الإنتاج ، محور المجتمع ، محور الخارج.

علاقة الدولة بالاقتصاد عند ابن خلدون

يرى ابن خلدون أن دورالدولة في مجال الحياة الإقتصادية يقتصر على سن القوانين التنظيمية للأسواق والنشاطات الاقتصادية تطبيق حقوق الملكية وحماية طرق التجارة والأمن من الأدوار الهامة للدولة التى يحتاجها المجتمع من أجل تحقيق النهضة والتطور الاقتصادي. إن زيادة الفائض الاقتصادي هو نتيجة حتمية لخدمة الدولة ورعايتها تنظيميا للنشاطات الاقتصادية حسب نظرية ابن خلدون الاقتصادية.

ويوسع ابن خلدون حديثة عن دور الدولة حيث يؤكد أن الدولة إذا أرادت توسيع نطاق البيروقراطية والإفراط في الإنفاق العسكري عن طريق فرض الضرائب فسيؤدي ذالك بشكل مباشر إلى ضعف الإنتاج وتقييد التجارة والنشاطات الاقتصادية ونتيجة لذالك سيتقلص الفائض الاقتصادي، فالسلطة المطلقة للدولة عند ابن خلدون تتسب في تراجع الرخاء الاقتصادي وضعف الدولة المدنية فالكثير من أصحاب المشاريع تثنيهم سياسات البيروقراطية عن الإنخراط في النشاطات الاقتصادية.

بالنسبة لابن خلدون، يجب على الدولة أن تتحمل مسؤولية تحقيق الإستقرار من خلال تنفيذ الأشغال العامة وتوفير العمالة وخلق الثقة. وكجزء من سياسة تحقيق الاستقرارهذه ، ينبغي للدولة أن تبني الطرق والمراكز التجارية وغيرها من الأنشطة التي تشجع الإنتاج والتجارة. أما “التدخل المباشر للدولة في النشاط الاقتصادي عن طريق الانخراط في التجارة” فسيؤدي إلى تراجع الدولة والأنشطة الاقتصادية، ونتيجة للتدخل الحكومي في الشؤون التجارية والاقتصادية، سيتم منع أصحاب المشاريع من التداول والاستثمار وتحقيق الأرباح في مشاريعهم.

قدم ابن خلدون الكثير من النظريات الاقتصادية التى بنيت على التحليل والنقد ، واستخدمت الكثير من هذه النظريات من طرف الاقتصاديين والأكاديميين الغربيين وبنوا عليها نظريات جديدة ساهمت في تطور علم الاقتصاد لديهم ، ولم يكن لدولنا المعاصرة من التراث العلمي الزاخر للعلامة ابن خلدون سوى نظرياته التى عدلها الغربيون وعلبوها لتكون جاهزة للتصدير إلى دولنا ، فإلى متى نهمل موروثنا ونحن أحق به؟

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *