الحريّة بين التأصيل القرآني وهواجس الثقافة المعولمة.

الحريّة بين التأصيل القرآني وهواجس الثقافة المعولمة.

تونس- الزيتونة اون لاين :

 

الحريّة بين التأصيل القرآني وهواجس الثقافة المعولمة.
الجزء الثاني

بقلم :غفران حسايني إعلامي وباحث دكتورا في الحضارة والفكر الإسلامي

 

كنا قد أشرنا في مقال سابق إلى أن قضيّة الحرية في القرآن متناغمة تماما مع صورة الإنسان الذي يحظ بمكانة كبيرة في المنظور الإسلامي منذ ان تكلّم القرآن عن خلقه الاوّل في عالم غير هذا العالم وعن طبائعه وصفاته وإرادته وقوته وضعفه وكرامته .ليكون بذلك مجيئ الإنسان إلى الأرض خطّة إلهية مقدرة بعد ذلك التكريم الالهي والتفضيل الذي طاله لحظة الخلق “ولقد كرمّنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا” (الاسراء ،الآية 70). ثم جاءت مقومات التحرر الانساني بتقويم الخلقة في قوله “لقد خلقنا الإنسان في احسن تقويم” (سورة التين ، الآية 4) والتي اعتبرها الإمام ابن عاشور في تفسيره تقويما فطريا نقيا وليس تقويما خلقيا جسديا كما ذهب إلى ذلك أغلب المفسرين ولفطرة في تعريف الإمام ابن عاشور هي ” النظام الذي اوجده الله في كل مخلوق ،ففطرة الإنسان أي ما خلق عليه ظاهرا وباطنا جسدا وعقلا “
فالناظر في موقع الحريّة في القرآن والسنّة يكاد يجزم تقريبا أنّها حرية بلا حدّ وبلا قيد ربطت بالإنسان خياراته الخاصّة والمسؤولة في مشيئة إيمانه او كفره وألزم القرآن العقل البشري بضرورة معرفة الحق من منطق التفكّر والتدبّر والتفقه في الكون والآيات في شكل حوار ثلاثي بين القرآن والكون والعقل لا مكان للاكراه فيه ولا للتسلط خلاله وهو ما جعل الايات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلّم تحدد طبيعة دوره القائم على التبليغ والتبيين دون تسلّط وسيطرة على قناعات أحد ودون أن يتحمّل مسؤولية من ضلّ ومن اهتدى.
فالحرية في الاسلام لخّصها الامام ابن عاشور في كتابه أصول النظام الاجتماعي في الاسلام بقوله ” إن الحرية خاطر غريزي في النفوس البشرية فيها نماء القوى الإنسانية من تفكير وقول وعمل ” إلا أن طبيعة فهمنا لمسألة الحرية والتحرر اليوم غالبا ما تنقاد إلى إكراهات الواقع المعاصر الذي تحوّلت فيه الحرية من وجهة النظر الإسلامية إلى إيديولوجية تعتبر لدى كثيرين أداة متميّزة لابطال العقيدة الإيمانية بدل احترامها والتعايش معها أو حتى قبولها .
فقراءتنا كمسلمين لمسألة التحرر اليوم لم تعد مرتبطة أساسا بطبيعة فهمنا لنصوصنا الدينية المؤسسة ونسق تطور فهمنا لها وتراكم تفاعل عقول المسلمين مع قرآنهم وسنّة نبيهم بل أضحت رؤيتنا لقضية الحرية باعتبارها صناعة ثقافية ينتجها الغرب ويصدّرها إلى العالم بشتى الوسائل بما يكسر خصوصية الشعوب والحضارات ويصهرها في بوتقة واحدة ومعولمة ،يرى فيها الخطاب الإسلامي المعاصر اختراقا معرفيا للقوى المفكّرة والمثقّفة داخل المجتمعات المسلمة لسلب مقوّماتها الثقافية والحضارية ضمن استراتيجيات تقوم على تصفية العقول حتى تضحى تابعة للثقافات المهيمنة عليها بجميع أدوات الالتقاء “كالقنوات والوسائط اللّغويّة والدينيّة والتعليميّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والإعلاميّة وغيرها”().
ولعل الإشكال القائم بيننا وبين موضوع حرية الضمير من جانبه المنهجي والتطبيقي في الفكر الإسلامي المعاصر أن القضيّة لا تطرح اليوم من زاوية نظر قرآنية دينية صرفة ، إذ لا خلاف بين إثنين في أنه لا إكراه في الدين وانه من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر باعتبارها نصوصا قطعية الدلالة تعطي للإنسان حق تقرير مصيره وتعطي للمسلمين حق النقاش والحوار والحجاج مع مخالفيهم ،بل أصبحت قضية حريّة الضمير تطرح من زاوية نظر مليئة بالهواجس والخوف الإسلامي من أن تصبح هذه الحرية قاطرة تزحف على خطاب إسلامي (ولا أقول الإسلام) يفتقد تدريجيا لقدرته على الاقناع وعلى مجارات نسق تطور الحياة والأفكار المعاصرة واعتكافه على الترديد والاستهلاك للقديم من الفكر والفقه على حدّ سواء .إذ الأزمة في تقديرنا ليست في النص المؤسس بل في الفهم والتطبيق إذا أضفنا إلى ذلك ما أصاب الخطاب الإسلامي من انتكاسات وشوائب من مخلّفات العنف والإرهاب ولا معقولية الخطاب والممارسة.
ولعلنا نختم بما يبيّن هذا الخوف القائم من ثقافة التحرر المعاصرة والمعولمة أكثر حتى من الخوف من الحرية ذاتها بما هي معطى فطري وحق ديني وإنساني ما ورد في التقرير الإستراتيجي الذي أصدرته مجلّة البيان بعنوان “الأمّة في معركة تغيير القيم والمفاهيم” وما ورد فيه من تأكيد صريح على وجود التخوّف الإسلامي من هيمنة ثقافة العولمة وما بات يستحوذ على الخطاب الإسلامي من هواجس الهيمنة والسلخ الثقافي بتغيير فكرها وثقافتها بكلّ الأدوات المتاحة المعلنة منها والخفيّة تحت شعار عولمة الفكر والمعرفة وحرية الرأي والتعبير والضمير وغيرها ، ليؤكّد التقرير على أنّ الهيمنة الفكرية والثقافية “تنحو إلى السريّة وسلوك المسارب الخفيّة في بادئ الأمر، إذ لا تشعر به الأمّة المستهدفة ولا تستعدّ لصدّه أو الوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له، وذلك بتحوّلها إلى أمّة مريضة الفكر والإحساس، تحبّ ما يريده لها عدوّها أن تحبّه وتكره ما يريد منها عدوّها أن تكره”().
فالخوف من الحرية في هذا الجانب لا يرجع في الغالب إلى خوف متأسس على نص ديني قامع للحريات أو سالب لها بقدر ما يؤوب إلى ظرفية تاريخية معاصرة حرجة ومعقدّة يسيطر عليها الخوف أكثر من التفكٍّر والتعقّل وهو ما يولّد الانغلاق وعدم الاتزان في الفهم والموقف ونقد ذلك كله هو أوّل سبيلنا للتحرر من كل الاغلال والأصفاد المكبّلة للعقل وللحضارة.

 

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *