مالك بن النبي : الفرد المسلم أصبح عاجزا عن الجمع بين العمل والتفكير في الوقت ذاته

مالك بن النبي : الفرد المسلم أصبح عاجزا عن الجمع بين العمل والتفكير في الوقت ذاته

تونس- الزيتونة اون لاين:

 

في التغيير الثقافي الاجتماعي في فكر مالك بن نبـي
لقد عالج مالك بن نبي الحالة الاجتماعية للشعوب الإسلامية في سلسلته مشكلات الحضارة وركز في دراسته على عناصر ثلاثة: “عالم الأشخاص”وهو الذي يعكس علاقات  المجتمع ومدى ترابط أفراده، وعليه أيضا يقوم العنصران الآخران:”عالم الأفكار” و”عالم الأشياء”، فكلما تطور مجتمع ما على أية صورة:صوب الأعلى أو صوب الأدنى، فإن هذا التطور سجل كما وكيفا في شبكة علاقاته وهاته العلاقات طبعا يعكسها الأشخاص، أما إذا تفككت هذه الشبكة فما ذلك إلا إيذانا بنهاية المجتمع وحينئذ لا يبقى منه إلا ذكرى مدفونة في كتب التاريخ، وعديدة هي المجتمعات التي عرفت التحلل والفوضى الاجتماعية، وما أصابها هذا التحلل إلا عندما انتشر المرض في جسدها الاجتماعي، ولعل هذا التحلل يكمن في شبكة العلاقات ، فالمجتمع قد”يبدو في ظاهره ميسورا ناميا، بينما شبكات علاقاته مريضة ويتجلى هذا المرض الاجتماعي بين الأفراد” فما هو سبب داء شبكة العلاقات الاجتماعية؟

عندما تتفشى في المجتمع ظاهرة الانفصال بين الأفراد، ويحاول كل إنسان العمل أو التفكير أو التخطيط بمفرده، حينها يمكن أن نعلم سبب الداء: استيلاء”الأنا”وتحكمها في الفرد، وبالتالي تغييب الروح الجماعية التي كانت سائدة في فترة من الفترات في الشعوب الإسلامية والتي كانت أساس كل نشاط أو عمل، وبالاجتغياب الروح الجماعية تفسد العلاقات ماعية،”والعلاقات الاجتماعية تكون فاسدة عندما تصاب الذوات بالتضخم، فيصبح العمل الجماعي المشترك صعبا أو مستحيلا، إذ يدور النقاش حينئذ لا لإيجاد حلول المشكلات، بل للعثور على أدلة وبراهين  وعقدة”الأنا”أصبحت سيطرتها تفوق كل عقدة، واكتسحت كل المجالات لا المجال الاجتماعي وحده، فنحن حين نقوم بدراسة أمراض مجتمع معين، من مختلف جوانبه الاقتصادية والسياسية…فإننا في الواقع ندرس”أمراض”الأنا” في هذا المجتمع وهي الأمراض التي تتجلى في لا فاعلية شبكته الاجتماعية. وإذا ما أرجعنا هذا للاعتبار النفسي، فإن حكمنا سيكون على ظواهر الأشياء لا على جواهرها، لأن هذه العقدة تسببت في فساد مجتمعات عديدة،”وكل علاقة فاسدة بين الأفراد تولد فيما بينهم عقدا كفيلة بأن تحبط أعمالهم الجماعية، إما بتصعيبها أو باستحالتها. جدلية العوالم الثلاثة وعندما نتحدث عن فساد العلاقات الاجتماعية فإنا نقصد بالدرجة الأولى فساد “عالم الأشخاص”وطبيعي أن يتأثر “عالم الأفكار” و” عالم الأشياء” بفساد” عالم الأشخاص”، وبالتالي السقوط يلحق بالمستوى الاجتماعي ينتج عنه سقوط “عالم الأفكار”، أو المستوى الفكري، وإن كان في الحقيقة سقوط الثاني، في الغالب ينجم عنه سقوط الأول، ويلحق السقوط أيضا بعالم الأشياء، باعتبار تلك العوالم الثلاثة كل لا يتجزأ، ولأن”غنى المجتمع لا يقاس بما يتملك من أشياء بل بمقدار ما فيه من أفكار” قد يتعرض مجتمع ما لكارثة طبيعية مثلا تذهب بعالم أشيائه، ولا ينقذ منها إلا النزر القليل أو لا شيء، فيجد نفسه أمام أزمة تجتاح “عالم الأشياء”، وهو مضطر للعمل من أجل إقامة أسس هذا العالم من جديد،ولكن الأزمة ستكون أمر وأعظم وقعا، بل إنذارا بالخراب المستمر إذا فقد هذا المجتمع” عالم أفكاره”، لأنه على الأقل إن حافظ على هذا الأخير، سيتمكن من إقامة صرح عالم الأشياء من جديد. وفي مقابل أهمية “عالم الأفكار” بالنسبة لقيام” عالم الأشياء”نجد أن عالم الأفكار لا يمنع حدوث الهزيمة والاضطراب في مجتمع ما، إذا ما افتقر لشبكة العلاقات الاجتماعية، والتي تقوم على عالم الأشخاص لأن ” فاعلية الأفكار” تخضع لشبكة العلاقات،-أي لا يمكن أن نتصور عملا متجانسا بين الأشخاص والأفكار والأشياء دون هذه العلاقات الضرورية،وكلما كانت شبكة العلاقات أوثق، كان العمل مؤثرا، لأن هذه العلاقات الخاصة بعالم “الأشخاص” هي التي تقدم الروابط الضرورية بين الأفكار والأشياء في نطاق النشاط المشترك الذي يقوم به مجتمع ما. ومن خلال الحديث عن هذه العلاقات الخاصة بعالم الأشياء يمكن القول:إن”أي مرحلة من مراحل النمو الاجتماعي متميزة بغلبة عنصر ثقافي محدد. ومن هنا يمكن أن نسجل النقطة الأولى التي تكشف لنا علاقة ما هو اجتماعي بما هو ثقافي، والدور الذي تقوم به الثقافة في توجيه الجماعات الإنسانية، على أن كل جماعة إنسانية تخضع لثقافة معينة تختلف عن ثقافات الجماعات الأخرى، ومالك بن نبي يعتبر جميع العلاقات السائدة  بين الناس، علاقات ثقافية، أي أنها خاضعة لأصول ثقافة معينة، ويلخص هذا الأمر بقوله:”إن الثقافة هي المحيط الذي يصوغ كيان الفرد…”16.

إن مشكلة مجتمعاتنا الإسلامية والتي تعد سببا من أسباب الفوضى في مختلف المجالات تكمن في كون الفرد المسلم أصبح عاجزا عن الجمع بين العمل والتفكير في الوقت ذاته، أو أن يربط بين جهده الفكري وجهده العملي، وهذا العجز أو النقص” كما يتجلى في الإطار العام/النشاط الاجتماعي، يتجلى أيضا في الإطار الخاص أي في النشاط الفردي، فالفكرة الإصلاحية، مثلا، تستهدف إصلاح الفرد، ولكننا لا نشم مطلقا رائحة مصلح تتطلب معه الأمور أن يوجد ناطق بفكرة الإصلاح، أي حيث موضوع الإصلاح نفسه في المقاهي، وفي الأسواق، وفي كل مكان تنكشف فيه العيوب الاجتماعية التي يدعو إلى إصلاحه وهذا العجز عن الجمع بين التفكير والعمل، الناتج عن الخلط بين جواهر الظواهر وأشكالها، “والذي طبع الحركة الفكرية نشأ عن سبب عضوي”(وهذا العجز العضوي)”تذكيه دائما ضروب من الشلل، أصابت النواحي الخلقية والاجتماعية والعقلية جميعا، وأخطر هذه النواحي هو الشلل الأخلاقي، إذ هو يستلزم أحيانا النوعين الآخرين، ومصدر هذا البلاء معروف، فمن المسلم به الذي لا يتنازع فيه اثنان أن الإسلام دين كامل، بيد أن القضية قد أدت في ضمير ما بعد الموحدين إلى قضية أخرى هي: (نحن مسلمون) .. (إذن نحن كاملون. والشلل الخلقي يعد السبب الرئيسي في تأخر المجتمع وتخلفه”يعجز المجتمع فيجعله غير قادر على زيادة جهده الضروري بنهوضه، وما الشلل الفكري إلا نتيجة من نتائجه: فالكف عن التكامل الخلقي ينتج حتما كفا عن تعديل شرائط الحياة، وعن التفكير في هذا التعديل”. فالشلل الأخلاقي الذي تعاني منه الأمة الإسلامية أصابها عندما تخلت عن مبادئها ومناهجها الذاتية في الترقية والتوجيه، وشدت الرحال للطرف الآخر لتستورد منه المناهج والمبادئ والقيم التي تفتقر لذلك الأساس الرباني الذي كان طوال الفترات السابقة لهذه الأمة السر الخفي الكامن وراء انتصاراتها، والذي تخلت عنه عندما ساد الجمود أركانها ولجأت إلى التقليد و”التقليد الخلقي يقتضي-لا محالة- التخلي عن الجهد الفكري أي عن (الاجتهاد) الذي كان الوجهة الأساسية للفكر الإسلامي في عصره الذهبي”، وبالتخلي عن الاجتهاد:”يتجمد الفكر ويتحجر في عالم لم يعد يفكر في شيء لأن تفكيره لم يعد يحتوي صورة الهم الاجتماعي” إذن، لكي تؤدي تلك العوالم الثلاثة دورها في إقامة شبكة العلاقات الاجتماعية لا بد لها من ضابط يوجهها وهو: الضابط الأخلاقي، فكما أن هذه العلاقات تقوم على أساس عالم الأشخاص و الأفكار(الثقافة)، والأشياء فإنها أيضا تحتاج إلى مكون آخر هو المكون الأخلاقي، لهذا يؤكد مالك بن نبي على أمرين: “ـ أن مجتمعا معينا لا يمكن أن يؤدي نشاطه المشترك دون أن توجد فيه شبكة العلاقات التي تؤلف عناصره المختلفة، النفسية و الزمنية.2 ـ وإن كل علاقة في جوهرها قيمة ثقافية يمثلها القانون الخلقي، والدستور الجمالي الخاص، بالمجتمع”21. وإذا نظرنا إلى الوضع الاجتماعي الذي تعيشه الأمة الإسلامية،سواء من حيث علاقته بالثقافة أو بالسياسة أو بالاقتصاد، لا يمكن أن نقول إلا : لابد من دراسة هذا الواقع المتعفن الذي يعكس أفكارنا وقيمنا الخاطئة والمزيفة، واستبداله بواقع آخر نظيف، وهذا الاستبدال أو التغيير عنصره الأساسي: الفرد:”أي أن التغيير النفسي هو الذي يستهل حياة المجتمع، وهو أيضا الشرط النفسي في كل تغيير اجتماعي”22، وهو أيضا: “الشرط الأساسي لتغيير أوضاعنا المتخلفة، فلقد أثبت التاريخ صحة هذا القانون: (غير نفسك تغير التاريخ) أو بالتعبير القرآني الرائع: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”(سورة الرعد:آية:11). “لا يغير ما بهم من انحطاط وتخلف حتى يغيروا ما بأنفسهم من أفكار خاطئة، ولكن في أي اتجاه؟، في اتجاه تحويل الواقع من واقع متخلف إلى واقع متحضر، عن طريق تحويل الإنسان، من إنسان متخلف إلى إنسان متحضر”يتفاعل مع الفكرة الدينية، ومن المعلوم أن أعظم التغيرات وأعمقها في النفس قد وقعت في مراحل التاريخ مع ازدهار الفكرة الدينية. لذلك وجبت الإشارة إلى أهمية الفكرة الدينية ودورها في التغيير الذي تحدثه في الفرد، وبالتالي في المجتمع، لنصل بعد هذه الإشارة إلى ضرورة الانطلاق-لتحقيق أي عمل،ثقافيا كان أم سياسيا أم اقتصاديا…- من الفكرة الدينية.

.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *