التربية و التعليم بمقتضى قيم العقل و القرآن

التربية و التعليم بمقتضى قيم العقل و القرآن

تونس- الزيتونة اون لاين:

بقلم ابو يعرب المرزوقي

هذه محاولة اعتمدت فيها على خبرة أربعين سنة من ممارسة مهنة التعليم بعد التخرج من دار المعلمين العليا درست خلالها أهم فلسفات التربية الغربية (من أفلاطون وأرسطو إلى كنط وهيجل) والإسلامية (من الكندي والفارابي إلى ابن تيمية وابن خلدون) وبعض سنين من الإرشاد التربوي في التعليم الثانوي. وهي تتألف من جزئين يمثلان العلاج الفلسفي والعلمي بالقصد الأول.

فأما الجزء الأول فسعيت فيه لوضع نظرية في التربية تعالج المعضلة التربوية في مستوييها الكوني (كيف يمكن للتربية اليوم أن تسيطر على مادتها التي تتزايد بسرعة جنونية وعلى المؤثرات المداهمة للمدرسة من كل جانب) والخاص (كيف يمكن تجاوز مخلفات الانحطاط والخروج من فشل محاولات الإصلاح). فكانت المحاولة تحليلا تاريخيا لتكوينية المنظومة التربوية الإسلامية لاستنطاقها بهدف تحديد الأدواء التي تعاني منها واقتراح الحلول المخرجة من أجرافها الهارية
وأما الجزء الثاني فبينت فيه كيف يكون استنباط النموذج التطبيقي في أدق جزئياته من هذه النظرية التي تشخص الأدواء وتقترح الدواء دون الزعم بأن النموذج نهائي أو هو الوحيد الممكن لأن النماذج تكون دائما في تغير مستمر بمقتضى تغير الحاجة إلى التكيف مع متغيرات العمران الذاتية والأجنبية خاصة في أمة صارت أرضها مطمع كل المعتدين من حولها بسبب ما آلت إليه أمورها من ضعف ووهن لتخلف منظومتها التربوية التي لم تعد قادرة على سد الحاجات الأولية في مستوى الضرورات العمرانية والكماليات الاجتماعية بلغة ابن خلدون.

وقد كان التركيز في هذين المرحلتين على محاولة النفاذ إلى جوهر الإشكال التربوي كما يمكن فهمه من منطلق البحث العقلي والفلسفي أولا ومن منطلق البحث الوجداني والديني ثانيا لأني أومن بأن الدين الإسلامي الذي يصف دعوته بالكونية لا يمكن أن تكون القيم التي يدعو إليها فيجعلها مادة التربية بمعنييها الضيق (التربية بالمعنى المخصوص) والواسع (السياسة الشرعية) إلا قيما كونية تشترك فيها الإنسانية. فكان الهدف الرئيس في هذه المحاولة بأجزائها الثلاثة بيان ذلك ما أمكن البيان رغم عسر الرهان.

في خاصية علاجنا للإشكالية التربوية

ويمكن أن أوجز الخاصية الأساسية لهذه المحاولة في الفقرات الموالية بدءا بتحديد مستويي الدور المحوري الذي أنسبه إلى البحث العلمي عامة والبحث العلمي في المسألة التربوية خاصة:
فليس البحث العلمي في مدلوله الأداتي إلا التنظيم القصدي لقدرة الإنسان الإدراكية للاستعلام على ذاته وعلى محيطه من أجل تحقيق شروط البقاء.
وليس هو في مدلوله الغائي إلا مراحل العبادة من عبادة تحقيق شروط استعمار الأرض والاستخلاف فيها إلى عبادة العلم بالحق المطلق الذي هو دلالة أفعال الخلق على فاعليات الذات الإلهية.

وبالتالي فالبحث العلمي عامة والتربوي منه على وجه الخصوص هو في الجوهر عملية رصد لما يجري في حياة البشر من أجل تجاوز الحاصل من المثال بقياسه دائما إلى الواجب منه للعلم من أجل العلم في البحث العام وللعمل بهذا العلم في البحث التربوي. ويتعلق هذا الرصد أولا بالمدخلين الممكنين للوجود الإنساني في مجرياته التاريخية سواء كانت طبيعية أو حضارية ثم بما بينهما من علاقة في الاتجاهين من أحدهما إلى الثاني ثم العكس لينتهي في الغاية إلى فهم صلة هذه المستويات الأربعة بطبيعة الوجود الإنساني من حيث هو مكلف برسالة سواء أدركها بعقله لكونها مركوزة في الفطرة أو نسيها فذكرته بها رسالة دينية. ويجري البحث دائما في مستوى هذين المدخلين وفي مستوى علاقتيهما وعلة التفاعل المتبادل بينهما ليحلل ويعلل ظاهرات التاريخ الإنساني فيحدد استراتيجيات التدخل فيها وأهمها استراتيجية السياسية التربوية. فتكون مداخله على النحو التالي:

المدخل الأول

فالمدخل الأول يمكن تسميته بما يجري في الوعي الفردي وهو جوهر الذاتية التي تتضمن ما ينقال وما لا ينقال من الوعي بالوجود: وهذه هي أولى درجات المعضلة التربوية أعني معضلة التواصل لأنها شرط التربية وأداتها.
إنه ما يدركه المرء في سريرته قبل أن محاولة تدوينه في وثيقة تنقله من هذا المدخل إلى ما يجعله منتسبا إلى المدخل الثاني إذ إن المتلقين لن يدركوا من أعاريبه إلا ما يقبل الإيصال بأدوات التواصل المشتركة للجميع. لكن ما لا يقبل الإيصال منها يبقى المحرك الأساسي في عملية الترجمة التواصلية التي تتم خلال الانتقال مما يوجد في الوعي إلى ما يوجد في الصوغ الرمزي المحقق للتواصل العام. ومن هنا تأتي أهمية المسألة الرمزية التي أوليناها أهمية كبرى في النظرية التربوية التي اقترحناها فاضطررنا إلى مراجعة النظرية الرمزية السائدة لأنها هي التي تفسد على النظرة الإسلامية بيان فضلها على العالمين (لاعتمادها التثليث المسيحي في الوجود والمعرفة والقيمة): بحيث يمكن القول إن كل ما يحققه الإنسان من تقدم في تحقيق القيم الإنسانية من خلال فهمه لذاته وما فيها من فطري يجعل الخلقة سعيا نحو كمال الخلق ليس هو شيئا آخر غير علاج مسألة الترجمة الناقلة مما يوجد في الوعي الفردي من طابع عصي على العبارة إلى الوعي الجمعي المتداول بين الذوات والعكس بالعكس.
فهذه المسافة بين حالي الإدراك أعني بين مضمون الوعي الفردي ومضمون الوعي الجمعي -اقتصارا على الواعي من المؤثرات-تشبه المسافة الفاصلة بين فضالة العامل الطبيعي في الفرد بالقياس على ما أصبح عليه بمفعول التنشئة الاجتماعية أي بمفعول العالم الحضاري. وهذه الفضالة هي المميز الأساسي لفردية الفرد ولطبيعة العلاقة بين الفردي والجمعي في حضارة من الحضارات. إنها مميزة بين الحضارات بكمها وبكيفها. وهي من عجائب الوجود لأن علتها تنتسب إلى العضوي الذي هو أعم من الحضاري. لكنها أكثر التصاقا بالفردية منها بالجمعية التي من المفروض أن تكون أقرب إلى الكلية الطبيعية من الفردية: الكلية الثقافية دون العينية الفردية قربا من الكلية العضوية. ومن ثم فالفرد من هذا الوجه يبقى دائما المحرك الأساسي للإبداع الحضاري بشرط ألا تفسد التربية فيه هذا المعين المبدع الذي يسمى الفطرة (وهي التقويم الأحسن أما الرد إلى أسفل سافلين فهو التحريف الحضاري الممكن للفطرة والاستثناء منه مشروط بالتربية الروحية).

المدخل الثاني

والمدخل الثاني يمكن تسميته بما يجري في الوعي الجمعي وهو جوهر الموضوعية التي تقتصر على ما يقبل القول من الوعي بالوجود وخاصة ما قيل منه وهو التراث بمعنييه المادي (الثروة) والرمزي (كل المنتجات الفكرية سواء كانت أداة التواصل فيه لسانية أو أي رمز آخر): وهذا هو الوجه الثاني من المعضلة التربوية: كيف ينتقل التراث من الوعي الجمعي إلى الوعي الفردي وما دور الترميز فيه. ومن هنا جاءت الحاجة إلى علاج مسألة المثل والطرد المنطقي في التربية العلمية ومسألة الأمثال والسرد القصصي في التربية الخلقية.
إنه ما تشترك في إدراكه الجماعة باعتباره مطابقا للتجربة المشتركة بين أفراد الجماعة أو ما يمكن أن يسمى ما بين الذوات من مواضعات حدثت بالعادة دون أن يحصل فعل المواضعة بالقصد الواعي: لأن المواضعة القصدية تفترض هذا المستوى غير القصدي حاصلا إذ لا يمكن للأفراد أن يجتمعوا ليتواضعوا على شيء إذا لم يكن التواصل بعد موجودا ومن ثم فنظرية اللغة الوضعية تفترض لغة أصلية متقدمة عليها هي القدرة الفطرية على التواصل أو نظرية اللغة التوقيفية. وهذا الشرط المتقدم هو الخام الذي تنتخب منه العينات الممثلة لتكون مضمون التربية والتكوين في تلك الجماعة.
لكن التربية إذا حصرت في هذا المضمون ولم تعتمد على ما يتجاوزه في المدخل الأول أعني محاولات ترجمة العضوي إلى ثقافي والتحرر من الموروث بالمكتسب دون وهم حصر العضوي في الثقافي والموروث في المكتسب فإنها تصبح ترويضا لا تربية فيكون الهدف خلق نسخ مطابقة للوعي الجمعي لا تكوين أشخاص أحرار قادرين على الإبداع والتفرد. وهذا هو المرض الذي يمكن أن ندعي أنه علة الانحطاط في كل حضارة لأنه يجعل التاريخ شبه ميت فلا يكاد يحصل فيه من حركة إلا الحركة الطبيعية وهي أقل الحركات فاعلية في التطور لأنها تقاس بآلاف القرون ولا تناسب التاريخ الحضاري للأمم.

المدخل الثالث

والمدخل الثالث هو اتجاه العلاقة الأول بين المدخلين أعني أثر ما يجري في الوعي الفردي في ما يجري في الوعي الجمعي في مستوى الواعي من المؤثرات لأنها ما ليس بواع منها. ويمكن القول إنه ما يسعى العلم إلى النفاذ إليه باكتشاف قوانين التأثير المبادل بين الفردي والجمعي وردهما إلى علاقة الطبيعي بالثقافي والموروث بالمكتسب:
ويمكن اعتبار هذا المدخل الثالث المصدر الأساسي لحركية الحضارات وتطورها أو هو على الأقل أهم علاماتها. فالفروق الفردية (وما تكونه من جماعات جزئية وفرعية على أرضية الجماعة الكلية سواء كان في نفس الحضارة أو في الحضارات المختلفة) هي التي تمثل بما تتصف به من تميز عن الوعي الجمعي بدايات التجاوز والعودة الواعية على الذات بمواقف ثلاثة متكاملة أشار إليها نيتشة في تعريف معاني التاريخ الثلاثة في بحثه الشهير حول المناسب وغير المنساب من التأملات ردا على أحد فلاسفة عصره حول أزمة الفكر الألماني في نهاية القرن التاسع عشر (أي التاريخ المعلمي لانتخاب النماذج التربوية والتاريخ المتحفي لحفظ التاريخ والتاريخ النقدي لتجاوز الماضي).
فكلما كانت هذه الفروق متعددة كلما كانت حركية الحضارة مزدهرة وذات عنفوان مبدع. وكل من نظر في نظرية القرآن التاريخية يدرك أهمية التعدد والاختلاف في هذه الفاعليات. فمبدأ الزوجية ومبدأ التعدد الطبيعي والتنوع القيمي (كما في تعدد الأديان والشرائع) يمثلان في هذه النظرية أهم ركنين يفسر بهما القرآن التنافس في الخيرات وتحقيق الغايات (المائدة 48). والعلة هي أن هذا المدخل هو الذي يصل التاريخ الحضاري بالتاريخ الطبيعي:
مباشرة بما في الفرد من مقومات طبيعية لكيانه العضوي والنفسي وهي مقوماته الفطرة التي فطر عليها والتي لا ترد إلى المكتسب الحضاري وهذا هو المنطلق الأساسي في العودة إلى القيم الكونية التي هي عين الفطرة ومن ثم أساس التلاقي بين الأمم والتأسيس الفعلي للكونية القرآنية إذ من دون هذا المبدأ لا يمكن أن نفهم الكونية فنقع في ما انتهت إليها ما بعد الحداثة من التاريخانية المطلقة التي لا تنفي التواصل بين الثقافات فحسب بل حتى بين الأجيال المتوالية من نفس الثقافة.
وبصورة غير مباشرة بما لهذا البعد الفطري من صلة بوجهي مادة العمران أعني بالإنتاج المادي المقيم للكيان العضوي في بعده البدني استمدادا للطاقة المغذية عضويا من الطبيعة المحيطة به لقيام الفرد ولبقاء النوع بتوسط قيام الفرد (الاقتصاد) وبالإنتاج الرمزي المقيم للكيان العضوي في بعده النفسي استمدادا للمعنى المغذي نفسيا من الثقافة المحيطة به لقيام القرد ولبقاء الجماعة (الثقافة).

المدخل الرابع

والمدخل الرابع هو اتجاه العلاقة الثانية بينهما وهو أثر ما يجري في الوعي الجمعي في ما يجري في الوعي الفردي. وهذا هو الوجه الذي غالبا ما يتصور البعض أن التربية منحصرة فيه ربما لأنه يتضمن من بعض الوجوه المداخل الثلاثة المتقدمة عليه:
لكن المدخل الثالث إذا لم يصحبه المدخل الرابع فقد يؤدي إلى حرب أهلية دائمة تكون تارة حامية وطورا باردة. ذلك أن ما في الكيان الفردي من عضوي يبقى عصيا دائما عن التطويع لكونه تابعا للقانون الطبيعي فلا يمكن أن يكون انتظامه بمقتضى القانون الخلقي انتظاما مطلقا إلا بقتله وهو أخطر الأدواء التربوية التي قال عنها ابن خلدون بأنها أفقدت مسلمي عصر الانحطاط معاني الإنسانية. فالجهل بهذه الحقيقة هو سبب كل مآسي التربية التي حرفت الشرائع فقالت بالخطيئة الموروثة واعتبرت الجسد نجسا والتي لسوء الحظ سيطرت على فكر المسلمين بتوسط الكلام والفلسفة والتصوف خاصة فمسحت الدين الإسلامي بأن أعادت منظومة شبه كنسية كادت تقضي على كل تفرد إذ بات المفتي والمتصوف مغنيين للأفراد عن تحمل مسؤولية أفعالهم.
ومثلما أن انتظام العامل العصي من كيان الفرد انتظاما مطلقا قاتل للقوى الحيوية فيه لكونه يعني تحول التربية إلى تدجين للإنسان فإن عدم الانتظام المطلق قاتل لها أيضا لأنه يحول الحضارة إلى صراع عضوي أشبه بقانون التاريخ الطبيعي في عالم الحيوانات. ومن هنا يأتي دور المدخل الرابع الذي هو ليس شيئا آخر غير علاقة الكيان الفردي ببعدي صورة العمران أعني بالسياسة والتربية. فيكون هذا البعد هو أثر التربية والسياسة في تكوين الأفراد مثلما كان ذاك البعد الثالث هو أثر الاقتصاد والثقافة في تكوين الأفراد وذلك لأن العامل العضوي العصي في الفرد والمحرك الفعلي للتاريخ هو ما فيه من صلة بالإبداع المادي والإبداع الرمزي أعني الحاجة العضوية لأسباب العيش المادي (الرزق) والحاجة النفسية لأسباب العيش الرمزي (الذوق).

المدخل الخامس

وأصل هذه المداخل جميعا هو ما يمكن أن يعد تفاعل تاريخ الإنسان الطبيعي مع تاريخه الحضاري. وكنا قد أسلفنا في محور النظرية أن تفاعل القانونين هو المقصود في استخلاف آدم كما جاء في رمز القصة المتعلقة بالحوار مع الملائكة حول أهلية آدم للاستخلاف (بحجة القانون الخلقي ضد القانون الطبيعي) ورمز القصة المتعلقة برفض إبليس السجود لآدم (بحجة القانون الطبيعي ضد القانون الخلقي) وفي النظر الذي أعطي له مراهنة على استئهال آدم للاستخلاف.
وهذا الأصل رمز إليه ابن خلدون بالعلاقة بين البداوة (التي يغلب عليها بعد التبعية للقانون الطبيعي لقربها من مجتمع الضرورة شبه المطلقة ومن ثم من قواعد التكيف مع المحيط الطبيعي كالحال في عالم الحيوان) والحضارة (التي يغلب عليها بعد التبعية للقانون الخلقي لقربها من مجتمع الكمال شبه المطلق أي إن المجتمع يكاد ينتج بديلا من الطبيعة مع يحتاج إليه للتحرر من تقلبات المحيط). وبذلك يتبين أن المعضلة التربوية في مستواها الفلسفي والديني هي إشكالية العلاقة بين الطبيعة والثقافة وقانونيهما أو بين الموروث والمكتسب أعني الإشكالية الكونية التي لا يخلو منها عمران والتي تعد التربية علاجها القصدي في كل حضارة.
وهذه الإشكالية هي إذن الإشكالية الأساسية في كل تربية. وما هو ثوري في النظرية التربوية التي انطلقنا في بنائها من عمل ابن خلدون الفلسفي الذي يمثل العمود الفقري لعلاجنا واعتمدنا فيها على ما أضافته المعرفة البشرية من بعده مع البقاء في إطار المرجعية القرآنية هو تجاوز هذا العموم لتحديد مجالات رصد العلاقة من خلال التحديد الدقيق لدور بعدي صورة العمران ودور بعدي مادته وأصل هذه الأبعاد كلها. فمشكل العلاقة بين البداوة والحضارة بمصطلح ابن خلدون ليس إلا بداية لرصد مشكل أعم منه وأكثر كونية لكونه بنيويا وليس ظرفيا هو مشكل العلاقة بين الطبيعة والثقافة أو بين القانون الطبيعي والقانون الخلقي في حياة البشر من حيث كان هذا المشكل قابلا للعلاج القصدي في مستوى التربية والسياسة اللتين تمثلان صورة العمران في مستواها الرمزي والفعلي.
فالمشكل في مستوى بعدي صورة العمران هو مشكل العلاقة بين السلطة الفعلية (السياسة) والسلطة الرمزية (التربية):
1-عمل مؤسسات البعد السياسي من صورة العمران.
2-وعمل مؤسسات البعد التربوي من صورة العمران.
والمشكل في مستوى بعدي مادة العمران هو مشكل العلاقة بين موضوع الرهان السلطوي وأصل كل سلطة أي:
3-عمل مؤسسات البعد الاقتصادي من مادة العمران.
4-وعمل مؤسسات البعد الثقافي من مادة العمران.
أما أصل المشكل في صوره الأربعة فهو صورة الأصل الذي يفسر به الإنسان التفاعل بين القانون الطبيعي (ما في الإنسان من خِلقي موروث) والثقافي (ما في الإنسان من خُلقي مكتسب) في مستوى وعيه الفردي من حيث ما تلقاه بالتربية خلال تاريخ الحضارة التي ينتسب إليها أعني التصورات الفلسفية والمعتقدات الدينية حول مابعد القانونين الطبيعي والخلقي أي ما بعد الطبيعة بالنسبة إلى المخلوقات كلها وما بعد التاريخ بالنسبة إلى الإنسان.
5-وهذا الأصل الواحد هو عمل مؤسستي أصل العمران كله أعني مبدأ الحصانة المعبر عن رؤى الوجود والعالم في عبارتيها القيميتين الفلسفية والدينية.

الرصد العلمي المؤسس للعمل التربوي

والرصد العلمي الذي يتأسس عليه العمل التربوي لا يكتفي برصد المؤسسات وأفعالها بل هو يرصد كذلك موضوعات فعلها وبالذات من حيث هي موضوع ضروب التقويم التالية:
التقويم النظري المعرفي: طلبا للحقيقة.
والتقويم العملي الخلقي: عملا بالحق.
والتقويم الجمالي وللذوق من سلطان له وعليه وبه: ذوق الحياة الروحية.
والتقويم الرزقي وما للرزق من سلطان له وعليه وبه: ذوق الحياة العضوية.
والتقويم الوجودي وما للوجود من سلطان له وعليه وبه: سلطة برهان الرب: إدراك معنى الحقيقة والحق والحياة الروحية والحياة العضوية.

وكل هذه المستويات القيمية قيم قرآنية خالصة لأن القرآن حددها في سورة يوسف التي خصصها لها دون سواها لتكون أحسن القصص وما به يخرج خاتم الرسل من الغفلة. ونحن قد أوردناها في النظرية في ترتيبها القرآني الذي هو الترتيب الأمثل من حيث بيان فاعليتها في حياة البشر وحكمها للعلاقة بين القانونين الطبيعي والحضاري. لكننا نوردها هنا بترتيب مختلف لحاجة التقديم في توضيح الكيفة التي تعمل في المستويين النظري والتطبيقي في علاجنا الحالي لأن المعرفة تكون دائما بترتيب معكوس مع ترتيب الوجود سواء كان العلاج فلسفيا أو دينيا (تماما كنسبة النظر إلى العمل: يذهب النظر في التصور من الغاية إلى البداية ويذهب العمل في الإنجاز من البداية إلى الغاية لذلك يقال إن غاية الفكرة هي بداية العمل):

1-التقويم النظري المعرفي

فالتقويم النظري المعرفي هو كل علوم الإنسان القابلة للرصد والتي تخبرنا عن الوجود المخلوق حبا لمعرفة الحقيقة من حيث هي غاية وعبادة واستعمالا لها من أجل تحقيق سد الحاجات وتحقيق شروط الكرامة والسعادتين الدنيوية والأخروية لأن استعمار الأرض والاستخلاف فيها اللذين هما مهمة الإنسان في الوجود مستحيلان من دون المعرفة ليكون العمل على علم.

2- التقويم العملي الخلقي

التقويم العملي الخلقي هو كل أعمال الإنسان المدنية القابلة للرصد والمعدة للتعامل مع الوجود المخلوق الطبيعي والإنساني بما تحقق من سنن مكتسبة وعادات تيسر التعامل وتساعد على تحقيق شرطي البقاء والكمال أعني التعاون لسد الحاجات المادية والتآنس لسد الحاجات الروحية (بمصطلح ابن خلدون تعريفا لموضوع علمه).

3- التقويم الرزقي

التقويم الرزقي هو في مدلوله الأول علة العلاقة المباشرة بين الجماعة ومحيطها الطبيعي الذي تستمد منه قيامها. لكنه في مدلوله الثاني هو أيضا علة العلاقة غير المباشرة بين الجماعة ومحيطها الثقافي.
فلما كان سد الحاجات ممتنعا من دون التعاون عليه وكانت وحدة الحاجات مع ندرة ما يسدها سببا في التنافس والصراع عليه بات من الواجب أن يكون من شروط التعاون وضع قواعد التبادل والتعاوض والسلطة الحامية لهذه الشروط وأصبح للتقويم الرزقي علاقة مباشرة بما للرزق من سلطان على المرتزقين ومن ثم بيد الحائزين عليه والمحتكرين إياه من سلطان على الجميع. وهو بهذا السلطان يصبح محددا لتوظيفات التقويم المعرفي النظري (التكنولوجيا) والتقويم العملي الخلقي (الإيديولوجيا)لتقوية السلطان بالرزق من حيث الفاعلية التقنية والشرعية الإيديولوجية.

4- التقويم الذوقي

التقويم الذوقي هو في مدلوله الأول علة العلاقة المباشرة بين الجماعة ومحيطها الثقافي. لكنه في مدلوله الثاني كذلك علة العلاقة غير المباشرة بينها وبين محيطها الطبيعي.
فلما كان الأنس بالعشير ممتنعا من دون أن تكون الحاجات الأساسية قد سُدت وكان سدها قابلا لأن يحولها إلى أداة ضغط على المحتاج إليها من قبل محتكرها بات الأنس بالعشير هو بدوره قابلا لأن يصبح بضاعة للتبادل بل لعله كان أول تجارة نشأت لكون البضاعة جاهزة إذ هي بدن الشخص نفسه فيصبح عملا مثل استغلال البدن في الأعمال التي تستعمل البدن استعمال الآلة. والاستعمال المأجور للبدن يكون إما عملا آليا أو استعهارا. وهو للرجال وللنساء على حد سواء رغم أن الظن الغالب هو أنه مقصور على النساء. فكل عمل جنسي مأجور استعهار سواء كان المستعمل رجلا من قبل امرأة قادرة على دفع الثمن أو امرأة من قبل رجل قادر على دفع الثمن. وبهذا الوجه يدخل الجنس وكل فنون الأنس بالعشير في مجال الاقتصاد والرزق. فيتم الرزق السيطرة على كل المجالات ويصبح بالتالي مسيطرا على صورة العمران أي السياسة والتربية أعني السلطتين الفعلية والرمزية.

أهم مهام التربية

ولعل أهم مهام التربية هي تحرير الإنسان من هذين السلطانين السلطان بالرزق والسلطان بالذوق على الغير أو من الغير لأن السلطانين هما جوهر إفقاد الإنسان كرامته وحريته. والقرآن الكريم اعتبر علاج مسألة الرزق ومسألة الذوق أو مسألة المال والإرث ومسألة المرأة والزواج المسألتين الجوهريتين في النظام التربوي بمستوييه الضيق (التربية) والواسع (السياسة) وقد خصص سورة النساء لهذه المسائل وهو ما يفهمنا علة استخراج شيخ الإسلام نظرية السياسة الشرعية من نفس السورة.
والنوعان الأولان من التقويم شارطان للوجود الإنساني شرط أداة عندما يسيطر عليهما الاقتصاد والذوق مباشرة (أو بصورة غير مباشرة من خلال تبعيته للاقتصاد). وهذا هو الواقع الذي تنطلق منه التربية والسياسة وتريدان علاجه لتحرير الإنسان من السلطان بالرزق وبالذوق على الإنسان ومن ثم سلطاني تحويله هو بدوره إلى بضاعة. لكن المعرفة والعمل يصبحان شرطي تحريره من هذين السلطانين إذا جعلناهما شارطين شرط غاية بحيث نجعل الاقتصاد والذوق في خدمة المعرفة النظرية والعمل الخلقي لا العكس. وهذا هو المثال الذي تسعى إليه التربية والسياسة على الأقل من المنظور القرآني. ولا يمكن لهذا السعي نحو المثال أن يحصل من دون الفلسفة والدين.
كما أن ذلك الاندراج في الواقع لا يمكن أن يكون من دون التكنولوجيا والإيديولوجيا رغم أن هدف التربية التي تكونهما هو السعي للتحرر منهما بهما. ذلك أن الفلسفة والدين يبدوان قابلين لأن يردا إلى التكنولوجيا والإيديولوجيا وخاصة في أفواه دعوة الدعاة الذين يحرفون الدين ودعاية الأدعياء الذين يحرفون الفلسفة. وذانك هما مصدرا الأصوليتين اللتين تعاني منهما لحظتنا الراهنة. لكن الدين والفلسفة ليسا الإيديولوجيا والتكنولوجيا بل إن هذين من أدواتهما لا غير لأنهما يمكنان من التحقيق المتدرج لما يسعيان إليه أي إن مُثل الفلسفة وأمثال الدين مستحيلة من دون حل مشكلات الرزق والذوق وهي لا تحل إلا بتدرج في سد الحاجات الرزقية والحاجات الذوقية.
لذلك فالتكنولوجيا فعليا والإيديولوجيا رمزيا تساعدان على تحقيق الغايات التي تسعى إليها الفلسفة والدين لكنهما تنحرفان فتريد أصحابهما أن يحعلاهما بديلين منهما ومهمة التربية الوعي الحاد بهذا الانحراف لمنعه وقاية ولدفعه علاجا. وبهذا المعنى فإن التكنولوجيا والإيديولوجيا رغم ضررهما الممكن عندما يعتبران بديلين من الفلسفة والدين يعدان الأداتين الضروريتين اللتين تحقق بهما الفلسفة والدين هذا التعالي المتدرج نحو المثل والأمثال أعني التحرر من سلطان الحاجات (بسدها وليس بالحرمان) والسمو المتناسب معه نحو الكمالات.

خطأ منظومتنا التربوية

وخطأ منظومتنا التربوية تمثل في جعل الخوف من هاتين الأداتين يحول الأمة إلى سجينة لأدنى درجاتهما أعني التكنولوجيا والإيديولوجيا البدائيتين لأنها قتلت الفكر الفلسفي المحرر من الأولى رغم كونه أساس العلم المنتج لها ياعتبارها أداة لا غاية والفكر الديني المحرر من الثانية رغم كونه أساس العمل المنتج لها باعتبارها أداة لا غاية. منظومتنا التربوية عوضت الفكر الديني بالإيديولوجيا الدينية فقتلت التدين الصادق وعوضت الفكر الفلسفي بالإيديولوجيا الفلسفية فقتلت التعلم الحاذق: وذلك هو الصراع بين النموذجين التربويين الأصوليين التربية الأصولية الدينية التي هي في الحقيقة منافية للدين الصادق لأنه غاية وليس أداة والتربية الأصولية العلمانية التي هي في الحقيقة منافية للعقل لأنه غاية وليس أداة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *