غلاء المعيشة بين حقوق المواطنة .. و ثقافة المقاطعة    …. بقلم الأستاذ عماد الورغي

غلاء المعيشة بين حقوق المواطنة .. و ثقافة المقاطعة …. بقلم الأستاذ عماد الورغي

غلاء المعيشة
بين حقوق المواطنة .. و ثقافة المقاطعة

لئن بات للتململ صوتا عاليا ينذر بخطر التدهور – بل اﻹنهيار – الكلي للمقدرة الشرائية
لدى التونسي ، فإن المؤشرات اﻹحصائية – في حدود دقتها – تؤكد ذلك الخطر الذي
استوجبت مقاومته و صده بكل الوسائل المتاحة ، و هذا من صميم عمل الدولة .
و لئن علت اﻷصوات بنقد مشروع المالية لسنة 2018 بدعوى أنه يمكن أن يزيد الطين
بلة و يزيد من إضعاف وجود الطبقة الوسطى التي كانت دوما أهم مكون للشعب التونسي
بما يخل بتوازن المجتمع و يزيد من نسبة الفقر في حال اضمحلالها، فيزداد بالتالي عمق
اﻷزمة التي تمر بها البلاد ليصل مداها إلى استحالة الحلول التنموية .
فإنه بات من الضروري على الدولة – و بالتوازي مع كل ما تفعله للضغط على اﻷسعار
– مراقبة و تحديدا – ، معاضدة جهود كل من يدعو إلى حماية المستهلك ، و استحداث
آليات أخرى تقاوم بها ما أرهق التونسي من غلاء معيشته و توجيهه نحو سبل تمكنه –
كمواطن – بأن يكون طرفا فاعلا في التحكم في أسعار كل المواد المستهلكة بتشجيعه
وترشيده و توعيته عبر كل وسائل اﻹعلام – و بكثافة – ، بما يمكنه من المسك بزمام
المبادرة من خلال " ثقافة المقاطعة " – مثلا – التي آتت أكلها في البلدان المتقدمة ببعثرة
أوراق المضاربين و المحتكرين المتحكمين في اﻷسواق و دفعهم و اجبارهم على طرح
مختلف المواد التي – صادرها جشعهم – بأسعار تتناسب مع المقدرة الشرائية للتونسي
المنتمي إلى الطبقة الضعيفة .
هذا و حسب المعهد الوطني للإحصاء و في ندوة له ، فقد أكد مؤشر الأسعار عند
الاستهلاك العائلي لشهر أكتوبر لهذه السنة (2017) ارتفاع نسبة التضخم الى مستوى
5,8% بعد ان كانت في حدود 5,5% خلال شهر سبتمبر .
وقد شهدت هذه النسبة نسقا تصاعديا منذ بداية السنة من 4,6% خلال شهر جانفي إلى
5,0% خلال افريل ، تبعه استقرار في مستوى 4,8% خلال شهرين، ثم ارتفاع هام
خلال شهر أكتوبر .
ويعود هذا الارتفاع بالأساس ، إلى تطور نسق ارتفاع اسعار مجموع المواد الغذائية
والمشروبات خلال شهر أكتوبر 2017 مقابل شهر سبتمبر من نفس السنة (من 6% إلى
7,2% ) ، و أسعار الخضر (من 10,0% إلى 14,6%). كما عرفت أسعار الملابس
والاحذية ارتفاعا ( من 4,9%إلى 7,9% ) .

و بحسب هذه اﻷرقام ،فإنه أصبح جليا بأن تطورها يمكن أن يزداد ليثقل كاهل المواطن و
يشحن علاقته بالدولة التي عليها اﻵن نهج أسلوب اﻹصطفاف إلى جانبه بشكل آخر لا
بالتدخل المباشر فحسب ( من خلال قرارات يمكن أن تنهار أمام ما يشهده واقع السوق و
تفاعلاته ) بل بحثه على انتهاج أسلوب حضاري يعتمده و يلتزم به كفرد لينتشر بسلاسة
بين كل أفراد المجتمع عبر كل وسائل اﻹتصال المتاحة لتكون " ثقافة المقاطعة " سلاحا
فعالا لا صخب له ، يستخدمه أمام من يبحث عن الربح الفاحش و السريع ممن تغيب
ضمائرهم و تسول لهم أنفسهم قطع الطريق و الحيلولة دون وصول السلع إلى اﻷسواق
بأسعارها المعقولة و المستجيبة لقدرته المرتبطة بمحدودية دخله، حتى يصل هذا
المواطن المنهك – و المستدرج – بوعيه المعتمد على المقاطعة إلى مستوى التعامل مع
الكماليات بنفس طريقة تعامله مع كل ما هو ضروري .
وبهذا تكون المقاطعة إحدى السبل التي تسلك بوعي حضاري لتكرس مبدأ المواطنة كحق
و كواجب ، و تفتح آفاق العيش الكريم – في أبسط متطلباته – أمام كل الفئات اﻹجتماعية ،
وتمنح الدولة فرصة اﻹهتمام بشؤون أخرى ترتقي بمستوى العيش و تحقق التنمية
المنشودة .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *