منهج ابن عاشور في تفسيره، وخلاصة ما اشتمل عليه

منهج ابن عاشور في تفسيره، وخلاصة ما اشتمل عليه

تونس- الزيتونة

لقد سلك ابن عاشور في تفسيره منهجاً متميزاً، فجاء محتوياً على مزايا عظيمة، متضمناً علوماً كثيرة، وفوائد جمة وربما كانت عزيزة.
وقد بذل في هذا التفسير قصارى جهده، واستجمع قواه العقلية والعلمية؛ فتجلت فيه مواهبه المتعددة، وتبين من خلاله علوُّ كعبه وعلميته الفذة النادرة، ومنهجه التربوي، ونظراته الإصلاحية.
ولقد بين –– في مقدمته الرائعة منهجه بإجمال، ويمكن حصر ذلك بما يلي:
1- بدأ تفسير ه بمقدمات عشر؛ لتكون – كما يقول – عوناً للباحث في التفسير، وتغنيه عن مُعاد كثير، وهذه المقدمات تضمنت علماً غزيراً عظيماً.
2- اهتم ببيان وجوه الإعجاز، ونكت البلاغة العربية، وأساليب الاستعمال.
3- اهتم ببيان تناسب اتصال الآي بعضها ببعض.
4- لم يغادر سورة إلا وبين أغراضها، وما تشتمل عليها بإجمال.
5- اهتم بتحليل الألفاظ، وتبيين معاني المفردات بضبط وتحقيق مما خلت عن ضبط كثير منه قواميسُ اللغة.
6- عُنِيَ باستنباط الفوائد، وربطها بحياة المسلمين.
7- حَرِصَ على استلهام العبر من القرآن؛ لتكون سبباً في النهوض بالأمة.
فهذا مجمل منهجه الذي بيَّنه، وسار عليه.
أما منهجه على وجه التفصيل فيحتاج إلى مزيد بسط وبيان.
وفيما يلي بيان لذلك، ومن خلاله سيتبين خلاصة ما اشتمل عليه التفسير من العلوم والمعارف.
1- منهجه في العقيدة: لقد سار -في الجملة- على منهج السلف الصالح في أبواب العقيدة عدا آيات الصفات؛ فهو يسير فيها على وفق منهج الأشاعرة، وإن كان يخالفهم أحياناً، ويقترب من منهج السلف أحياناً.
وإذا تعرَّض لتأويل آية جاء بأقوال السلف، وربما انتصر لهم، وإذا خالفهم في تأويل صفة أثنى عليهم، واعتذر لهم دون تعنيف أو تسفيه.
بل أحياناً يكون له في الصفة الواحدة قول يسير فيه على منهج أهل التأويل، وفي موضع آخر يوافق فيها السلف -كما في مسألة الرؤية- فتراه -على سبيل المثال- يؤولها، في بعض المواضع، وفي سورة المطففين عند قوله -تعالى-: [كَلاَّ إِنَّهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوْبُوْن] تجده يثبت الرؤية.
ويُلتمس له العذر فيما وقع فيه من تأويلٍ وقع فيه كثير من المفسرين – بأنه نشأ في بيئة علمية أشعرية؛ فهذا بالنسبة لباب الصفات.
أما بقية أبواب العقيدة كإثبات الوحدانية، أو الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر – فهو يسير فيها على طريقة السلف.
وكذلك الحال بالنسبة لباب الإيمان، وحكم مرتكب الكبيرة، ومسألة الشفاعة، ومسائل الحكمة والتعليل، وفي باب الصحابة وغير ذلك من أبواب العقيدة – يسير فيها على وفق منهج السلف.
بل إنه يرد على المخالفين في ذلك؛ فتراه يناقش المعتزلة، والخوارج في مسألة مرتكب الكبيرة، ويُفنِّد رأيهم، وتراه يُخطِّئ الفلاسفة ويرد عليهم في عدد من المسائل كقولهم: بعلم الله بالكليات دون الجزئيات، وقولهم: في صدور المعلول عن العله، أو إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد.
وتراه يُخطِّئ الشيعة والباطنية وغيرهم في كثير من مخالفاتهم العقدية، بل ويخالف الأشاعرة في عدد من المسائل في باب القدر وغيره، فعلى الرغم من أن ابن عاشور قد نشأ في جوٍ يسود فيه المذهب الأشعري إلا أنه لم يكن يتحرج من توجيه النقد لما آل إليه المذهب الأشعري.
كما أنه –– يُنكر البدع الحادثة، والأباطيل والخرافات كالطيرة، وأداء صلاة الظهر بعد صلاة الجمعة وغيرها مما ورد في التفسير.
كما أنه يرد على أباطيل الصوفية، وإن كان أحياناً يورد أقوالاً لبعضهم كابن عربي دون تعليق عليها.
فهذا مجمل منهجه في العقيدة، وسيتضح مزيد بيان لهذه الفقرة في الفقرات التالية.
2- العناية بالحديث الشريف: فكثيراً ما يورد الأحاديث النبوية، ويستشهد بها، ويحرص على بيان صحيحها من ضعيفها، ويستعين بها على تفسير آية، أو ترجيح قول، أو بيان سبب نزول.
3- الإلمام بالفقه: فكثيراً ما يتعرض للمسائل الفقهية التي يمر بها تفسيره، فيبين ما فيها من خلاف، ويوضح أقوال أهل المذاهب، ثم يرجِّح ما يراه راجحاً.
وقد يتعرض للمسائل التي يحتاج إليها الناس في وقته، أو التي وقع فيها الخلاف كمسألة أخذ الأجر على القربات، ومسألة نقل لحوم الهدي من مكة، إلى غير ذلك من المسائل.
4- العناية بعلم القراءات: فهو يورد القراءات، ويرجح ذلك القول بناءاً على تلك القراءة أو غيرها، وهكذا…
5- العناية بمقاصد الشريعة: فكثيراً ما يتعرض لمقاصد الشريعة العامة، ويبين المصالح العليا، والغايات الكبرى التي ينبني عليها التشريع.
ولا غروَ في ذلك فهو إمام له باع طويل، ونظرات في ذلك العلم، بل هو باعثه ومجدده في العصور المتأخرة.
6- العناية بالقواعد الأصولية، والمسائل اللغوية والنحوية: فجاء كتابه حافلاً بكثير من قواعد الأصول، ومسائل اللغة وغريبها، وقواعد النحو، واختلاف النحاة، وما جرى مجرى ذلك.
7- العناية بالبلاغة العربية، وأساليب البيان: فهو فارس ذلك الميدان الذي لا يُشق له غبار. ولم يحفل تفسير من التفاسير بالبلاغة العربية وأساليب الاستعمال كما حفل به تفسير التحرير والتنوير.
ولم يخصَّ أحدٌ من المفسرين -كما يقول ابن عاشور في مقدمة تفسيره- فن دقائق البلاغة بكتابٍ كما خصوا الأفانين الأخرى.
ومن أجل ذلك -كما يقول- التزم ألا يُغفل التنبيه على ما يلوح له من هذا الفن العظيم في آية من آي القرآن العظيم؛ كلما أُلْهِمَهُ بحسب مبلغ الفهم والتدبر.
ولهذا جاء تفسيره حافلاً بدقائق البلاغة، ونكتها، وأفانينها؛ فلا تكاد تمر بآيةٍ إلا وبيَّن أنها مشتملةٌ على فنٍّ أو أكثر من فنون البلاغة.
ولا تبالغ إذا قلت: إن هذا التفسير خيرُ تطبيقٍ عملي لقواعد البلاغة العربية على آيات القرآن الكريم.
ومن أجل ذلك كثر إيراده للمصطلحات البلاغية؛ فتراه كثيراً ما يقول: وهذا تذييل، أو تتميم، أو اعتراض، أو حذف، أو إيجاز، أو استفهام نوعه كذا وكذا، وتراه يورد الكثير من مسائل التشبيه، والاستعارة بأنواعها، والبديع وأقسامه، وما جرى مجرى ذلك.
فإذا لم يكن القارئ على علمٍ بالبلاغة – حصل عنده إشكالاتٌ كثيرة، والتبس عليه المقصود في مواطن عدة، وفاته علمٌ غزيرٌ، وخيرٌ كثيرٌ، وربما عدَّ العناية بالبلاغة، ومسائلها ضرباً من الترف، أو التملح.
8- العناية بالقصص القرآني: ويتجلى ذلك من خلال اهتمامه بقصص الأنبياء وأممهم، واستلهام العبر منها.
9- التعرض للكتب السماوية المحرفة: فكثيراً ما ينقل من التوراة وأسفارها الخمسة، ويبين ما في ذلك من التحريف، والباطل، والصواب.
ويوضح من خلال ذلك صحة القرآن، وسلامته من التحريف.
10- التنويه بأمهات العبادات: كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج وغيرها.
فتراه عند مروره بها يعرج على فوائدها، وحكمها، وآثارها الدنيوية والأخروية.
11- التنويه بمكارم الأخلاق وأصول الفضائل: كالصبر، والحلم، والشكر، والصفح، والعفو، وحسن الخلق، والشجاعة، وعلو الهمة، وأصالة الرأي، وعزة النفس، وإباءة الضيم.
فتراه -في كل سانحة- ينوه بتلك المكارم والفضائل، ويُعلي من شأنها، ويبين حدودها، والفروق بينها، ويدعو إلى التحلي بها، ويبين آثارها الحميدة على الأفراد والأمة.
12- التحذير من مساوئ الأخلاق وسفاسف الأمور: فتراه كثيراً ما يُحذِّر من الجور، والظلم، والفساد، والكذب، والنفاق، والتبذير وما جرى مجرى ذلك.
13- العناية بمعالم الإصلاح العامة: فقد جاء تفسيره حافلاً بما ينهض بالأمة، ويُعلي منارها، وينزلها منزلتها اللائقة بها، ويوصلها إلى أعلى مراتب السيادة، وأقصى درجات المجادة.
14- الاهتمام بأصول التربية والتعليم: فكثيراً ما يبين السبل التي ترتقي بالتربية، والتعليم، كيف لا، وهو المربي الحكيم الذي باشر التعليم، وسبر أحواله، وخبر علله وأدواءه؟ كيف لا، وقد ألَّف كتابه العظيم (أليس الصبح بقريب) وهو في بواكير حياته؛ حيث كتبه وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ذلك الكتاب الذي لم يُؤلَّف مثله في بابه، والذي تحدث فيه عن العلم، وتاريخ العلوم، وتطورها، وأسباب الرقي بمستوى التعلم العربي والإسلامي.
ولهذا جاء تفسيراً حافلاً بالنظرات التربوية؛ حيث يقف عند الآيات التي تشير وترشد إلى معالم التربية، وأصولها، كما في قوله -تعالى- في سورة النساء: [كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ]. 
15- الاعتداد بالسلف الصالح، والاعتزاز بالأمة وتاريخها: فبرغم أنَّه ألَّف تفسيره في وقت ضعف المسلمين، وتسلط الاستعمار، وسقوط الخلافة، وتغلغل الأفكار الغربية، وحدوث الهزيمة النفسية، وتأثر الكثير من المثقفين بكل ما مضى – إلا أن ذلك لم يَنَلْ نَيْلَه من الشيخ ابن عاشور بل كان محباً لسلفه الصالح، مفاخراً بهم، معتزاً بأمته، محتفلاً بتاريخها المجيد، نافياً عنه ما علق به من زيف وتحريف.
16- التنويه بما شاده الأوائل، والحرصُ على الإفادة منه وألا يُقتصر عليه ويوقف عنده: قال –– في مقدمته الرائعة 1/7 مشيراً إلى هذا المعنى: =فإن الاقتصار على الحديث المعاد تعطيل لفيض القرآن الذي ما له من نفاد.
ولقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحدَ رجلين: رجلٍ معتكفٍ فيما شاده الأقدمون، وآخرَ آخذٍ بمعوله في هدم ما مضت عليه القرون، وفي كلتا الحالتين ضرٌّ كثير، وهنالك حالة أخرى ينجبر بها الجناحُ الكسير، وهي أن نعمد إلى ما أشاده الأقدمون فَنُهَذِّبَهُ ونزيده، وحاشا أن ننقضه أو نبيده، عالماً بأن غمض فضلهم كفران للنعمة، وجحد مزايا سلفها ليس من حميد خصال الأمة، فالحمد لله الذي صدق الأمل، ويسر إلى هذا الخير ودل+.
17- الاعتزاز باللغة العربية: فتراه يتفاخر بها، ويُعلي من شأنها، ويرى أنها أعذب اللغات وأعظمها، وأوسعها مع أنه عاش في وقت الهزيمة -كما مرَّ- وفي وقت كانت العربية توصم بالجمود، وتلاقي كلَّ جحود وكنود.
ومع ذلك لم يفقد ثقته بِلُغَتِه، ولم تنل منه تلك الدعايات فتيلاً أو قطميراً.
كيف لا، وهو الخبير باللغة، العالم بأسرارها، البصير بآدابها وشتَّى فنونها وعلومها؟
18- العناية بالضوابط، والتعريفات، والحدود: بحيث يتطرق للألفاظ التي تمر به في التفسير، فيعرفها بدقة، ووضوح، وشمول.
19- الربط بين هداية القرآن لمصالح المعاش الدنيوي، والمعاد الأخروي، كما في تفسيره لقول الله –  -: [وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ] النحل: 9.
فإنه أتى بكلام بديع حول هذا المعنى.
20- العناية بعلم الجغرافيا: فقد تبين في تفسيره مدى نبوغه وضلوعه في هذا العلم؛ فكثر إيراده له؛ لأنه يحتاج إليه في تحديد المواضع والأماكن التي ورد ذكرها في القرآن الكريم؛ فلهذا كان يتحرى الصواب، ويحرص على تحقيق مواقع تلك المواضع والأماكن كبابل، ومدين، وثمود، والأحقاف وغيرها.
وقل مثل ذلك في عنايته بخطوط الطول، ودوائر العرض، كما في تفسيره لقوله – تعالى -: [قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ] الآية من سورة الكهف.
21- العناية بالتاريخ: ويظهر ذلك من خلال تتبعه الأحداث، ومعرفة أسباب النزول؛ فتراه يرجح أن هذه السورة أو الآية نزلت أولاً؛ بناءاً على ما ترجح عنده من الحوادث التاريخية وهكذا…
وتراه يفيد من التاريخ في الأحوال التي نزلت فيها النوازل، فأفتى فيها علماء ذلك المصر بكذا وكذا، وأفتى غيرهم بكذا وكذا.
22- الاستشهاد بأقوال الفلاسفة، والحكماء: فهو يورد أقوالهم، ويفند ما خالف الحق من آرائهم، ويوظف الحكمة في الاستدلال، والتحليل.
ولهذا تراه يتعرض لأقوال أفلاطون، وأرسطو، وينقل آراء الفلاسفة المنتسبين للإسلام كالكندي، والفارابي، وابن سيناء، ويبين ما فيها من حق، وباطل.
23- التعرض لمسائل الطب: فالقرآن الكريم ورد فيه إشارات في أصول الطب وحفظ الصحة.
وابن عاشور كان ذا عناية بالطب، وذا اطلاع على تاريخه، وأصوله، وعلومه؛ فجاء تفسيره محتوياً على نظرات في ذلك الميدان، كما في تفسير قوله -تعالى-: [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا] الأعراف: 31، وغيرها من الآيات.
24- التعرض للنظريات في علم الفلك، والطبيعة، وعلم النفس: كما في تفسيره للآيات التي فيها تعرض لبعض المظاهر الفلكية، والطبيعية كالحديث عن السماء، والأرض، والسحاب، والمطر، وتكوين الجنين، وخصائص النبات ونحو ذلك، كما في تفسير قوله – تعالى -: [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً] التوبة: 36، وغيرها من الآيات.
وكذلك تعرَّض لبعض النظريات في علم النفس، وما جاء في القرآن من الإشارات إلى ذلك العلم.
25- العناية بعالم الحيوان، والطير: فكثيراً ما يتعرض لها عند ورودها في الآيات، كالكلب، والذئب، والخنزير، والغراب، والهدهد، وغيرها، فتراه يذكر تعريفها، وطبائعها، وفصائلها، ومواطنها، وأنواعها، وغرائب عجائبها.
26- التعرض للمعادن، وما يستخرج من الأرض: ومن أمثلة ذلك ما جاء في تفسير سورة الإسراء من قوله – تعالى -: [قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً (50)].
فإنه تكلم عن الحديد بكلام عجيب بديع، حيث قسم أصنافه إلى ثمانية عشر صنفاً باعتبار تركيب أجزائه، وبين خصائص كل صنف.
27- إيراد اللطائف والنوادر والمُلح: فكثيراً ما يورد ذلك في ثنايا تفسيره لبعض الآيات؛ حتى يعضد المعنى الذي يرجحه أو يميل إليه، ولأجل أن يخفف من جفوة المباحث الجادة، ويلطف عنف الممارسة للمناقشات القوية الرصينة؛ فلهذا أودع في تفسيره كثيراً من القصص التاريخية، والنظرات النقدية، والمُلح والنوادر والأفاكيه الأدبية التي تُروِّح عن القارئ، وتعضد ما هو بصدده.
28- جزالة الأسلوب: فقد كتب تفسيره بأسلوب عربي بليغ قوي أخَّاذ، شديد الأسر، محكم النسج.
29- توظيف الثقافة والمعارف: فقد وظَّف ثقافته ومعارفه أحسن توظيف لخدمة الغرض الذي يرمي إليه؛ فجاء تفسيره حافلاً بالشواهد التاريخية، والأساليب البيانية، والفوائد العلمية.
30- إرجاع الأشياء إلى أصولها، وأسبابها الأولى: فإذا مر به عادة من العادات، أو خرافة من الخرافات، أو عمل يعد رمزاً لأمر من الأمور – رجع إلى أصل ذلك، ومبدأه، وسببه.
ومن الأمثلة على ذلك كلامه على الحمامة وغصن الزيتون، وكونهما رمزاً للسلام، وبداية ذلك، وأصله، وذلك كما في حديثه عن طوفان نوح –  –
31- لزوم العدل، وتحري الإنصاف: قال –– في مقدمته 1/7: =فجعلت حقاً عليَّ أن أبدي في تفسير القرآن نكتاً لم أرَ من سبقني إليها، وأن أقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارةً لها وآونةً عليها+.
وقد صدق –– في ذلك؛ فكان يلزم العدل، ويتحرى الإنصاف في مسائل الخلاف التي يوردها.
32- الحرص على الموازنة، والترجيح والمناقشة الحرة: وهذه الفقرة قريبة من سابقتها؛ فهو يوازن، ويرجح، ويناقش بنزاهة وحرية بعيداً عن التعصب؛ فبرغم أنه مالكي المذهب إلا أنه قد يخالف المالكية، وقد ينتقد بعض علمائهم فيما يوردونه.
وتراه يورد كلاماً لأئمة اللغة وأساطين البلاغة، وعلماء التفسير كالزمخشري، والسكاكي، وابن عطية، فيوازن بين أقوالهم، ويناقشهم، وربما استدرك عليهم وخالفهم.
33- سمو العبارة، وهدوء النبرة، ولزوم الأدب: فلا ترى عنده تسفيهاً للخصوم، ولا رمياً بالتهم جزافاً، ولا تعنيفاً على المخالف.
بل تجد عنده العبارة المهذبة، والأدب العالي، والرفق بالمخالف.
34- الأمانة العلمية: وتتجلى هذه المزية في عزو النقول، والدقة في ذلك، وترك التزيُّد على المخالفين، إلى غير ذلك.
35- طول النَّفس، والدأب في تتبع المسائل: فتراه يورد المسألة ويطيل فيها، ويورد الأقوال عليها، فلا يَفْرُغ منها إلا وقد قتلها بحثاً وتحريراً.
ولا تراه يقتنع بكل ما قيل، بل يَرُدُّ ما لا يعضده البحث والدليل، كما في مسألة براءة القرآن من الشعر.
ولا أدل على طول نفسه من كونه فسر القرآن في مدة تسعة وثلاثين وستة أشهر، وهو عمر بحد ذاته.
ومما يدل على ذلك -أيضاً- استدراكه على نفسه فقد يقرر شيئاً، أو يفوته شيء، أو يتبين له الصواب، أو يظهر له مزيد فائدة فيما بعد؛ فتراه بعد ذلك ينبه القارئ، ويوصيه بأن يُلحق الفائدة الجديدة بنظيراتها مما سبق تفسيره.
ولا ريب أن طول مدة التأليف تمده بما يستجد له من المعارف والأبحاث.
36- تعاهده لتفسيره بالتهذيب، والتشذيب، والزيادة: وهذه الفقرة قريبة من السابقة؛ فيظهر من خلال التتبع أنه بعد أن فرغ من تفسيره صار يتعاهده بالتشذيب، والتهذيب قبل أن يطبع، بدليل أنه قد أشار في خاتمة التفسير أنه انتهى منه عام 1380هـ، ومع ذلك يورد فوائد ونقولاً من كتب ثم يحيل إليها في الهامش، وربما ذكر تاريخ طباعة تلك الكتب المحال إليها وهي تحمل تاريخاً حديثاً بالنسبة لتاريخ انتهائه من التفسير، أي أنها صدرت بعد انتهائه من تفسيره.
مثال ذلك ما نجده في تفسير سورة الإسراء 15/19، حيث نقل كلاماً من كتاب، ثم عزا إليه في الهامش، وقال: =حرَّره عارف عارف في المجلة المسماة: (رسالة العلم) بالمملكة الأردنية عدد 2 من السنة 12 كانون الأول سنة 1968م+ ا-هـ.
وهذه السنة الميلادية توافق بالتاريخ الهجري سنة 1388هـ تقريباً.
وهذا يعني أنه أضاف هذه الفائدة بعد فراغه من التفسير بثمان سنوات.
37- كثرة النقول: فالتفسير طافح بالنقول عن الأئمة والعلماء في شتى الفنون سواءٌ كانت شرعية، أو لغوية، أو بلاغية، أو غيرها من فروع العلم والثقافة العامة.
38- كثرة الاستشهاد: سواء بالأشعار، أو الأمثال، أو الحوادث العامة، فجاء تفسيره حافلاً بالشواهد من هذا القبيل، كما في قصة الوزير الأندلسي محمد بن الخطيب السلماني مع ملك المغرب، انظر 1/482-483 من التفسير.
39- التكرار: فكثيراً ما يورد الشاهد، أو القصة، أو الحادثة في أكثر من موضع ومناسبة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *