خطاب سيادة رئيس الجمهورية : الدولة راعيةٌ للدين، كافلةٌ لحرية المعتقد والضمير وممارسةِ الشعائر الدينية،

خطاب سيادة رئيس الجمهورية : الدولة راعيةٌ للدين، كافلةٌ لحرية المعتقد والضمير وممارسةِ الشعائر الدينية،

بسم الله الرحمان الرحيم

 

نساء تونس، بناتي العزيزات،

أيها الشعب التونسي العظيم،

تحية لكل نساء تونس وبناتها في كل أرجاء البلاد وخارجها بمناسبة عيدهن الوطني،

جزيل الشكر والتحية إلى كلّ أعضاء لجنة الحريات الفردية والمساواة التي أعلنَّا عنها في مثل هذا اليوم من السنة الفارطة، وكلفناها بإعداد تقريرها في الغرض في كنف الاستقلالية التامّة، على أن نتّخذ لاحقا ما نراه صالحا من قرارات وفق تمشٍّ تدريجي حسب مختلف مجالات التدخل التشريعي وتعدد الموادِّ القانونية وتنوع اختصاصاتها.

كما نود التنويه بعمل هذه اللجنة وما تميز به من عمق وجدية وجرأة فكرية وعلمية تجسدت خاصة في ما قدمته من مقترحات قانونية، رأت فيها مدخلا لتأكيد الحريات الفردية وضمانها وتكريسًا للمساواة وتركيزها وفق فصول دستور ثورة الحرية والكرامة التي أبهرت العالم بسلميّتها وبرهنت على قدرة التونسيات والتونسيين على التغيير دون الانزلاق في متاهات العنف والفوضى رغم صعوبة الظرف الاقتصادي والسياسي المحلي والإقليمي والعالمي.

كما نود التأكيد على أننا مؤتمنون بِحُكم الدستور الذي انتُخِبْنَا بمقتضاه على احترامه والسهر على حماية ما كَفَلَهُ من ضماناتٍ لحرية الأفراد في معتقداتهم وآرائهم ومن حمايةٍ لحرمةِ أجسادهم وكامل حقوقهم، كل ذلك في إطار المساواة التامة بين المواطنات والمواطنين وفق ما تقتضيه دولةٌ سيِّدَةُ نفسها، مستقلةٌ في قراراتها، حرةٌ في خياراتها، ضامنةٌ لعلوية دستورها، مُحْتَرِمةٌ لتعهداتها الدولية ومُطبِّقةً لقوانينها.

نساء تونس، بناتي العزيزات،

أيها الشعب التونسي العظيم،

لقد واكبنا ما دار من جدلٍ، نعتبرُه طبيعيا ومحمودًا، حول تقرير هذه اللجنة، ولمِسنا فيه قَدْرًا من النُّضج في التعبير عن الاختلاف دون اللجوء إلى العنف حتى وإن صدرت بعض المواقف من نفس الأطراف الرافضة لاحترام الرأي المخالف والتي نصَّبتْ نفسها وصيَّةً على الشعب التونسي مُتجاهِلَةً كما عهِدْنَاهَا تاريخَهُ الإصلاحي ونَافِيَةً لسُنَّةِ الاختلاف والتطور ولمدَنِيَّةِ الدّولة المنصوص عليها في الدستور.

وهنا نُريد التأكيد أنه لَمَّا قرّرنا بعث هذه اللجنة في العيد الوطني للمرأة في السنة الفارطة، كُنَّا عاقدين العزم على القيام بمشروع إصلاحات يخُصُّ الحريات الفردية والمساواة لارتباطهما بالمواطنة كقيمة أساسية في دولة مدنية ديمقراطية حديثة، مِمّا يُمثِّلُ سبقًا تاريخيا عظيما لا مثيلَ لهُ في محيطنا الجغرافي والحضاري والسياسي، لكننا في انْفِرَادِنَا به انطَلقْنَا من سنّةِ الاجتهاد الأصيل التي تُمكِّنُنَا من مراعاة تطور المجتمع وتغيُّر حاجيات أفرادهِ. ولذلك ولَّدَتْ مبادرتنا هذه رُدُودَ فِعلٍ على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي وساهمت في فتح أبواب الاجتهاد والتَّناظُر حول أمهات القضايا التي تهمّ مصائر ومستقبل مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

ومن المؤكد أنه وَبِصَرْفِ النظر عن هذه التداعيات سواء كانت مساندةً أو رافضةً أو نَاقدةً فإنها بَيَّنت أن النموذج التونسي كان وسيظل نموذجا رائدًا، فاعًلا، مُتمسّكًا بنهج الإصلاح ما استطاع لذلك سبيلاَ، مُلتزما بالعقائد والمقاصد والأصول، دون تهوُّرٍ أو عنف.

نساء تونس، بناتي العزيزات،

أيها الشعب التونسي العظيم،

إن مسيرة الإصلاح في تونس الحديثة مُتّصِلَةُ العُرَى منذ انطلاق الإصلاح السياسي في 10 سبتمبر 1857 بإعلان عهد الأمان حتّى دستور 26 جانفي 2014 مرورا بدستور 26 أفريل 1861، دون أن ننسى دستور الاستقلال الصادر في غرة جوان 1959.

وبالتوازي مع الإصلاح السياسي كانت هناك محطات للإصلاح الاجتماعي أيضا، من ذلك إلغاء العبودية في 26 جانفي 1846، وإصدار مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت 1956 التي تظلُّ أهمَّ إصلاحٍ اجتماعي حدث في القرن العشرين في تونس وفي المنطقة بمُجملها، حيث وضعت المرأة في صُلْبِ تغيير المجتمع بأن حررتها وحفظت كرامتها ومكّنتها من الحق في الاختيار الشخصي، ومن ذلك حرية اختيار القرين التي تدعَّمت بإلغاءِ ما عُرِف بمنشور 73 في 8 سبتمبر2017.

كما تَدَعَّمَت المكاسب السياسية للمرأة بإقرار التناصف العمودي والأفقي في القانون الانتخابي مما مَكَّنَ العديد من الكفاءات النسائية من الوصول إلى مراكز القرار وآخرها المجالس البلدية وخاصة رئاسة البلديات.

ولا بدّ من التذكير بأنّ هذه المكاسب لم تكن ممكنة لو لم يتمَّ إقرارُ عُمومية التعليم وإجباريته منذ فجر الاستقلال حتّى صارت التونسيات تتبوّأن المراكز الأولى في نسبة النجاح الدراسي وحيازةِ شهادات التحصيل العلمي. وَمَا تواصلُ ارتفاع نسبة تفَوُّقِ الإناث على الذكور لسنوات متتالية في نتائج البكالوريا والتخرج من الجامعات إِلاّ دليلٌ على أن تونس كسبت رهانها على المرأة وحققت بالتالي قفزة تاريخية قياسا بمحيطها الجغرافي والحضاري والسياسي.

لذلك يحق لنا اعتبار أن ثورة تونس الأولى هي مجلة الأحوال الشخصية وهي ثورة اجتماعية استحقت بها لقب دستور تونس الاجتماعي.

نساء تونس، بناتي العزيزات،

أيها الشعب التونسي العظيم،

يبقى أنه لكل شيء إذا ما تمَّ نقصانُ، وأنَّ تطور مساهمة المرأة في الحياة الخاصة كما في الحياة العامة يفرض علينا مراجعة هذا الخيار باتّجاه تطويره وتعزيزه وتثبيته اجتماعيا وتشريعيا في انسجام مع تطوّر المجتمع وفصول الدستور الذي أكّد على مبدأ المساواة بوضوح لا لبس فيه ولا غموض بل أكثر من ذلك، إذ حَمَلَ على عاتق الدولة إلزاميَّةَ تحقيقها وضمانها وحمايتها.

وفي هذا السياق نود أن نذكر، لعلّ الذكرى تنفع المؤمنين، أن دستور الثورة التونسية الجديد المصادق عليه في 26 جانفي 2014 كان واضحا وصريحا في تنصيصه على المساواة في الحقوق والواجبات بين التونسيات والتونسيين توطئةً وفصولاً. فقد نَصَّت التوطئة على العزم على إقامة نظام “تضمن فيه الدولة علوية القانون واحترام حقوق الانسان (…) والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات”. كما نص الفصل 21 منه على أن: “المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواءٌ أمام القانون من غير تمييز”.

فالأصل هو المساواة على قاعدة المواطنة والانتماء للدولة دون تمييز بمقتضى الجنس أو العرق أو اللون أو الدين.

ولذا يصبح لِزامًا على الدولة القيام بمجهود تشريعي لملاءمة التشريعات الجاري بها العمل مع ما نصَّ عليه الدستور في هذا المضمار بوضوح. ويكون من الضروري القيام بمراجعات في القوانين المنظمة للولاية والحضانة والحصول على الجنسية أو منحها وغيرها من الأوضاع التي لم تعد تتلاءم لا مع الدستور ولا مع الواقع المعاش للنساء المتميز بانخراط كلي في تحمُّل الأعباء يفوقُ في أحيانٍ كثيرة مساهمة الرجال داخل نفس العائلة، في الريف كما في المدينة، وفي الشرائح الفقيرة الحال كما في الشرائح الغنية من المجتمع.

نساء تونس، بناتي العزيزات،

أيها الشعب التونسي العظيم،

إن مجهود الدولة في مواءمة ما جاء في التشريعات السارية مع ما جَدَّ من مبادئ تحفظُ الحقوق والحريات هو أمر عادي يفرضُه واجب تسيير الدولة والتنسيق بين أجهزتها ممّا يُحتِّم عليها أن تبادر بجرأة القانون وقوته وفاعليته في رفع المظالم التي يستحيل الاستمرار في عدم مجابهتها والتخفي وراء التِعَلاَّتِ الواهية لترسيخها. فالمساواة بين الجنسين واقعٌ يفرضه المجتمع بتطوره ودرجة انخراط أفراده نساءً ورجالاً في تغييره اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا وهي بذلك تفعِيلٌ لمبادئ العدل والإنصاف.

لذلك أعلنا في مثل هذا اليوم من سنة 2017 أن مسألة المساواة في الإرث بين الجنسين تختزل أوجه اللاّمساواة واللاملاءمة بين واقع اجتماعي متحرك يعبر عن تطور مشاركة المرأة ومساهمتها في تنميته على جميع الأصعدة وواقع تشريعي يأبى إقرار ذلك وتقنينه. ولهذا فهو الإصلاح الأكبر باعتباره بَوَّابَةَ محاربة بقية مظاهر التمييز وغياب العدل والإنصاف بين نصفي مجتمعٍ تَبَوَّأَتْ فيه النساءُ مراكز ريادية فاقت فيها وتَفوَّقَتْ على الرجال كمًّا وكَيْفًا.

نساء تونس، بناتي العزيزات،

أيها الشعب التونسي العظيم،

إنّ هذا القرار هو استكمال لمسار إصلاحي ترسّخ مع دولة الاستقلال ونريدُ الوصول به إلى مرحلة التتويج، بعد أن ثبت بِمَا لا يدعو للشك أن مساهمة المرأة في نفقات العائلة وتنمية ثروتها أمر واقع، وذلك مهما كان موقعها بنتا أو أختا أو أُمًّا أو زوجة. كما ثبت أيضا أنه بعد هذا المجهود وهذه المساهمة، التي تكون في أحيان كثيرة هي الأصل والأساس، يتمُّ استبعاد المرأة وإقصائها اعتمادا على قواعد في قسمة الميراث لا تأخذ هذا الواقع بعين الاعتبار بل أكثر من ذلك تتركها عُرضةً للتشرُّدِ والفقر والعنف بأنواعه لحظة اقتسام التركة ليُفَضَّلَ عليها الرجل لا لشيءٍ إلاَّ لأنه ذكر.

إنّ الدولة التونسية الحديثة، بقيادة الرئيس الحبيب بورقيبة، اختارت أن تكون مجلة الأحوال الشخصية أوَّلَ قانونٍ تُبادرُ به دولةُ الاستقلال، قبل إعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957 وحتى قبل إصدار دستور الجمهورية الأولى في غرة جوان 1959.

نفس هذه الدولة الحديثة اختارت أن تمنح للبنت حق إرث والدها باستعمال تقنية الرّد وإزالة قاعدة الحجب في قانون 1959. وهي نفس الدولة المدنية الحديثة التي تختار بمشروعنا الحالي إنصاف النساء ومواكبة تطور المجتمع والاعتراف بمُساهَمَتِهِنَّ في تكوين ثروات عائلاتهن مهما كان وضُعهُنَّ ضِمن العائلة، وأيًّا كان مَوقِعُهُنَّ، في الأرياف أو في المدن. كما اخترنا من خلال هذا المشروع الذي نعلن عنه اليوم ليس فقط إنصافا لنساء في عملية تقسيم الثروة داخل العائلة باعتبارهن ساهمن في تكوينها بل وأساسا لحِمايتِهنَّ من تبعات تجريدهن من حقهن في التمتع بما ساهمن في اكتسابه وبالتالي نحنُ نُريدُ وضع حدٍّ لحالات العنف والتفقير والتشريد التي تتعرض لها النساء خاصة في العائلات التي ليس لها من الممتلكات ما يكفي لحماية أفرادها عند اقتسام التركة. فكم من أُمٍّ تجدُ نفسها عالةً على أزواج بناتها أو زوجات أبنائها عند اقتسام ملكية منزل العائلة، ويتمُّ إخراجها من منزلها بعد أن ساهمت في بِنَائِهِ بمجهودها وحُسْنِ تصرُّفِها، وكم من أختٍ أو بنتٍ تجد نفسها دُونَ سقفٍ يحميها وهي التي أفنت زهرة عمرها في إقامة سَكَنٍ يأوي العائلة، ونسيت في غمرة ذلك أن توفِّر لنفسها مَأْمَنًا تحتاجه يوم لا ينصفها القانون ويتنكَّرُ لها المجتمع. وكم من زوجة تجدُ نفسها مُهملةً تبحث عمَّن يُطعمها أو يُؤويها بعد أن قضَّت أجمل سنواتِ العمرِ في تحسين وضعية عائلتها دون أن تُقيمَ لمثل ذلك اليوم حساباَ.

نساء تونس، بناتي العزيزات،

أيها الشعب التونسي العظيم،

إنّ لمن أوْكَدِ واجبات الدولة إنصاف المظلوم وحماية الضعيف وإيجادِ حلٍّ لمن أخرجته عجلة القانون من دائرة إنصافها والحفاظ على كرامة نسائها وعدم الاقتصار على البرامج الاجتماعية المُخصَّصة لرعاية الشرائح الهشّة بل أيضا وبالأساس أن تحفظ حقوق أفرادها بشكل يتوازن مع مساهماتهم وتضحياتهم واحتياجاتهم.

إنّ المشروع الذي نحمله اليوم يندرج في صميم فهمنا للدولة العادلة، الدولة التي تسعى لملاءمة القانون مع الأوضاع المستجدّة وفرض سيادته على الجميع ومعالجة الحالات التي تستوجب الإحاطة وإيجاد الحلول المناسبة لها. وعلى عكس ما يعتقد البعض، فإن من أوكد واجبات القانون في المجتمعات العادلة هو حماية الضعفاء فيه. ونحن اخترنا هذا الدور للقانون وللدولة وننأى بأنفسنا عن كل جدلٍ يهدف إلى نفي هذا الدور عن الدولة. ونحن نستمِدُّ شرعيةَ هذا التوجه من الاختيار الذي عبَّر عنه الشعب التونسي في دستوره المُنجز بعد ثورةٍ قامت في الأساس على رفض التهميش والتمييز والإقصاء والتّفقير مهما كانت مظاهرها أو مأتاها.

إن دستور هذه الدولة، التي تسعى لتحقيق العدل بين مواطناتها ومواطنيها، نصَّ بوضوح في فصله الثاني على مدنيتها إذ جـاء فيه ما يلي: “تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب وعلوية القانون”. ويُعتبر هذا الفصل الجديد في دستور 2014 مُقارنةً بدستور 1959 نقطة مِفصليَّةً، فهو يؤكد الطابع المدني للدولة بما يعنيه ذلك من أن النظام القانوني التونسي هو نظام مدني وضعي وليس بنظام ديني. فالدولة كيان قانوني وضعي له شخصية معنوية على عكس الأفراد المنتمين لها. وسلطة التشريع في هذه الدولة بيد الشعب حسب الفصلين 3 و50 من نفس الدستور، فالشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات، يمارسها بواسطة مُمثِّليهِ المُنتخبين أو عبر الاستفتاء. كما أنه لا وجود لهيئة أو سلطة دينية تعلو السلطة التشريعية وتُراقبها فيما تسنُّ من قوانين تُعبِّرُ فيها عن إِرادتها من خلال قوانينها. وغير ذلك يُعَدُّ من باب التناقض الصريح مع الدستور.

نساء تونس، بناتي العزيزات،

أيها الشعب التونسي العظيم،

إنّ نظام المواريث هو نظام قانوني وضعي للدولة التونسية ضَمَّنَتْهُ في مجلة الأحوال الشخصية منذ سنة 1956 ونقَّحتهُ عديد المرات، وهو ما يمنحُها سلطة تنقيحِهِ متى رأت لذلك ضرورةً وِفقَ تطور المجتمع وتغيُّرِ حاجيّاتِ أفرادِهِ ووضعياتهم.

ونحن نريدُ تذكيرَ البعض مِمّن يحتمي خلفَ مقولة أن الدولة التونسية عند وضعها لنظام المواريث في مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956 إِنّماَ اختارت اسْتِقَاءَهَا من قواعد الفقه الإسلامي بِأنَّهُ، وبقطع النظر عن تركيبة المجتمع التونسي آنذاك وبنيته الاجتماعية والاقتصادية، فإن المُشرِّع اعتمد الرد لإلغاء حجب البنت في الإرث مُتجاوِزًا التعصيب بالذكر في قواعد التوريث كما أنَّ الدولة التونسية ألغت نظام الأحباس الذي كان يُستعملُ لإقصاء الإناث في العائلة من الإرث.

وهذا خيرُ دليلٍ على تجذُّرِ المنحى الإصلاحي والتأويل المنفتح لقواعد الإسلام في تفاعله مع محيطه واستيعابه لتطور الأنساق الاجتماعية. ثم إن العديد من المُورِّثين دأبوا على اختيار المساواة في الإرث بين بناتهم وأبنائهم في قائم حياتهم اعتمادًا على الهِبَة دون أن يكون في ذلك تناقضٌ أو انتهاكٌ لمعتقدهم الديني أو سببا لتكفيرهم أو نبذهم أو إخراجهم من المِلّة.

وأن تكون غالبية الشعب التونسي مُسلمةً، مثل ما ورد في الفصل الأول من الدستور، فذلك لا يعني أن مرجعيَّةَ قوانينِ الدولة دينية وإلاَّ كان لزامًا علينا عندها تطبيق النص الديني الصّريح في قطع اليد عند السرقة ورجم الزاني والزانية واسترقاق البشر وامتلاك الجواري وغيرها من الأحكام التي لا يمكن اليوم تبنيها في المجتمعات الحديثة والدُّولِ المدنية التي تكمنُ قوتها في احترام معتقداتِ أفرادها بأن تكفلَ لهم حرية المعتقد والضمير وحقَّ ممارسةِ ذلك في ظلِّ حماية القانون والتزام الدولة بسلطته.

نساء تونس، بناتي العزيزات،

أيها الشعب التونسي العظيم،

لقد نصَّ دستور جانفي 2014 في فصله السادس صراحةً على أنّ “الدولة راعيةٌ للدين، كافلةٌ لحرية المعتقد والضمير وممارسةِ الشعائر الدينية، ضامنةٌ لحيادِ المساجد ودُورِ العبادة عن التوظيف الحزبي”.

وتأكيدًا على الطابع المدني للدولة وإقراره للمساواة بين التونسيين والتونسيات على قاعدة المواطنة، فإنَّهُ ألزم نفس هذه الدولة في فصله 46 على حماية الحقوق المكتسبة للمرأة ودعمها وتطويرها. وهو ما نسعى إلى تحقيقه من خلال هذه المبادرة في إطار مهامِّنا الدستورية وفق الفصل 72 من الدستور الذي ينصَّ على أنَّ “رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمرارها، ويسهر على احترام الدستور”.

لذلك وفي إطار التوازنات التي جاء بها دستور الدولة التونسية بين مدنية الدولة واحترام حرية المعتقد والضمير، اعتبرنا أنه من الضروري تنفيذ التزامات الدولة تجاه مواطناتها ومواطنيها في تحقيق المساواة بينهم مع احترام إرادة الأفراد الذين يختارون عدم المساواة في الإرث فيكون بذلك تحقيق شروط المساواة واجبٌ محمولٌ على الدولة ويبقى لأفرادها حرية اختيار عدم المساواة بين بناتهم وأبنائهم في قائم حياتهم اعتمادا على معتقداتهم الدينية. وبهذه الطريقة يتمُّ حفظُ واجب الدولة في القيام بالمبادرة التشريعية لتحقيق المساواة بين مواطناتها ومواطنيها، تكريسا لمدنية الدولة وتنفيذا لالتزاماتها على معنى الفصلين 2 و21 و46 منه، وتحفظُ الدولة المدنية أيضًا، تشريعيا، لمن اختار من مواطنيها عكس ذلك، الحقَّ في تكريسِ رغبته وفقًا لحرية المعتقد والضمير طالما أن المعتقد شأن شخصي يهُمُّ الأفراد والذوات البشرية لا الذوات والكيانات المعنوية ومنها أساسًا الدَّولَة.

نساء تونس، بناتي العزيزات،

أيها الشعب التونسي العظيم،

نحن لا نعتقد أننا بهذا الخيار قد ابتعدنا عن جوهر الدين وعمقه بما أنه تَركَ للمؤمنين حريةَ تنظيمِ معاملاتهم وفق تطور احتياجاتهم وتبدُّل حال مجتمعاتهم، وإِلاَّ كيف نُفسِّرُ لُجوءَ الخليفة الراشد عمر بن الخطاب والمُكنَّى بالفاروق لشدَّةِ حرصه على التفريق بين الحق والباطل وتحقيق العدل والإنصاف، عندما علَّقَ تنفيذ عقوبة قطع يد السارق في سنة انتشرت فيها المجاعة واضطُرَّ بعض الناس للسرقة سدًّا للرمق؟ ثُمّ كيف نفسر اجتهاده في واقعة “الطَّرَّازة” عندما عرضت عليه زوجة قصتها وهي التي ساهمت في تكوين ثروة زوجها بعملها كطرازة وكان يقوم ببيع ما تُنتجه بكدِّها، وعند وفاته حضر الورثة وأقصوْهَا من القسمة فأمر لها بالنصف في كامل المُخلَّف وبنصيبها في الباقي؟ هل يعني ذلك تكفير الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أو إخراجه من الملة أو زيغه عن تعاليم الإسلام أم يعني فقط رسالة منه حتّى يبقى الإسلام منفتحًا على خصوصيات وضعيات الأفراد واستيعابه لها بشكلٍ يجعله صالحاً لكل زمان ومكان، نابِذًا للجمود، مُحرِّكًا للعقل طَلَبًا للعدل والإنصاف على اعتبارهما أهم مقاصده؟

ثم إنّنا لا يمكن أن نقف ضدَّ هذا التوجه والحال أن بعض الدول المُشهِرَةِ لانتمائها الديني كتركيا مثلاً تُطبِّقُ نظام المساواة في الإرث منذ العشرينات ولم تمَسَّ منه حتى عند تغيُّر النظام السياسي فيها.

وفي اعتقادنا أن مصادقة النواب في مجلس النواب التونسي يوم 23 ماي 2018 على انضمام تونس لبروتوكول الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب بشأن حقوق المرأة وبتصويت كل الحساسيات السياسية فيه دون تسجيل أيِّ رفض له، والذي نصَّ بصريح العبارة في فصله 21 على حق المرأة في الميراث من ممتلكات العائلة مثلها مثل الرجل وبشكل منصف وعادل، وفي هذا خيرُ دليلٍ على تشبُّعِ النواب بالدستور نصًّا وروحًا.

كما أنَّ المشروع الذي نقدِّمُهُ اليوم هو من صميم الدستور وهو من صميم العدل والإنصاف، إذ لا يعقلُ أن نُقِرَّ بمساهمة النساء النَّشِطَة في تكوين ثروة العائلة ونرفض تمكينها من حقها في الإرث منها تكريسًا للدستور وما جاء به من حقوق وحريات وما ألزم به الدولة في هذا الصدد كاحترامها للمعاهدات الدولية التي أمضت عليها وكذلك احترامًا لتاريخنا الإصلاحي والجانب النير فيه الذي يحمي حقوق الإنسان وحقوق المرأة تحديدًا.

نساء تونس، بناتي العزيزات،

أيها الشعب التونسي العظيم،

سيذكرُ التاريخ كل من ساهم ويساهم في هذا المشروع مثلما خلَّدَ ذكرى من سبِقَهُم مِمَّن وضعوا لَبنةً مهمّةً على درب الاجتهاد والإصلاح والتنوير كما خلَّدَ ذكرى الزعيم بورقيبة ومن معه لَمَّا وضعوا مجلة الأحوال الشخصية في مواجهة الأعراف البالية ومنظومة الجهل والقهر والظلم والتزمّت فكانت ثمرةً طيِّبة ونواةً صالحةً لبناء مجتمع المواطنة والمساواة والحداثة الأصيلة الذي نصبو إليه ونَعْمَلُ جاهدين طلبًا لبُلوغِهِ.

إن أريدُ إلا الإصلاحَ ما استطعتُ وما توفيقي إلاَّ بالله عليه توكلتُ وإليه أُنيب (صدق الله العظيم)

عاشت تونس،

عاشت نساء تونس،

والسلام عليكم.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *