كمال عمران المثقف والإعلامي : نجاحات وحصار وتوازن بين الحداثة والهوية بقلم الأستاذ كمال بن يونس

كمال عمران المثقف والإعلامي : نجاحات وحصار وتوازن بين الحداثة والهوية بقلم الأستاذ كمال بن يونس

كمال عمران المثقف والإعلامي :

 

نجاحات وحصار وتوازن بين الحداثة والهوية

 

  • دعم تيار التجديد والمشاركة على القطيعة والصدام
  •  رفع الحصار عن الفكر الاسلامي الاصلاحي ثم مات محاصرا..

 

بقلم الاستاذ كمال بن يونس

 

لا يسمح مجال هذه الورقة الموجزة باستعراض كل مساهمات الفقيد الكبير الأستاذ كمال عمران في قطاعي الثقافة والاعلام وطنيا وعربيا ودوليا .

وليس الهدف تقديم دراسة علمية معمقة لتلك المساهمات مع اعتماد الاحصائيات والوثائق والمنهجية الأكاديمية التي تمكننا من تقديم استنتاجات بعد التوصل الى دراسة مقارنة كمية ومضمونيه لها.

لكن هول مصيبة فقدان علم في حجم الفقيد كمال عمران الذي عرفناه عن قرب لمدة 45 عاما ، يدفعنا الى التوقف عند محطات من مسيرته الثقافة والإعلامية حسب المحاورThématique ، بعيدا عن منهج التوثيق والتأريخ Chronologique .

ونميل الى التوقف خاصة عند 3 محاور من مسيرة المثقف والإعلامي الكبير كمال عمران: موقع وسائل الاعلام والمؤسسات الثقافية عنده ، وانحيازه الى خيار المشاركة على خيار القطيعة والصدام مع السلطات ومع الآخر، ثم انخراطه في تيار الإصلاح والاجتهاد والتجديد ضد تيارات المحافظة والجمود والغلو بأنواعها.  

أولا :  المفكر والاعلامي الذي لم يعزل نفسه بين أسوار الجامعة وصالونات النخبة:

لقد كرس الجامعي والمثقف كمال عمران انفتاحا نادرا على المجتمع بكل فئاته وعلى الرأي العام بكل تياراته من خلال خروجه مبكرا من علياء بعض النخب الاكاديمية ، ونجاحه في التواصل مع الإعلاميين ووسائل الاعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية الخاصة والعمومية وبينها صحف دار الصباح ودار العمل وملحق الحرية الثقافي ، إلى جانب البرامج  الثقافية في الإذاعة والتلفزة الوطنية ثم القنوات التلفزية الخاصة .

وبرزت اضافات كمال عمران للإعلاميين والمثقفين خلال نشاطه الجمعياتي المكثف ثم لما عين مديرا عاما للقنوات الاذاعية العمومية ( 2001/2003 ) فمديرا عاما مؤسسا لإذاعة الزيتونة (2007/2010).

وساعده على المضي في هذا التمشي تخصصه في دراسة الفكر الاصلاحي التونسي المعاصر وتجارب قادة النهضة العربية والإسلامية والزعماء الوطنيين ، من الطاهر والفاضل بن عاشور وعبد العزيز الثعالبي ومحمد الصالح النيفر والشاذلي النيفر وتلامذتهم الى الحبيب بورقيبة ورفاقه الدستوريين والزيتونيين الذين تحركوا أساسا عبر واجهتي الصحافة والأنشطة الثقافية  داخل فضاء الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني .

ويكتشف من يدرس آثار الأستاذ كمال عمران في صحيفة الصباح عام 2007 مثلا أن من بين إنجازاته تنزيل دراساته الاكاديمية وأبحاثه الفكرية المعمقة عبر جمعيات ثقافية دخلت في شراكة مع مؤسسة بيت الحكمة في قرطاج من بينها “الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي” التي ترأس فريق مؤسسيها في 30 أكتوبر 2004 بصفتها جمعية علمية تهدف إلى المساهمة في دعم إشعاع التراث الفكري التونسي وإبراز مضامينه وخصوصياته وعقد الندوات واللقاءات الفكرية وحفلات التكريم لرجالات الفكر التونسي وإقامة المعارض والاشراف على البحوث الجامعية المتصلة بالتراث الفكري التونسي عبر العصور.

ويتجلى انفتاح الأستاذ كمال عمران من خلال قائمة الشخصيات الثقافية الوطنية التي اختارها لتؤسس معه هذه الجمعية والمشاركة في أنشطتها ، في مقر المبنى الرمز للمجتمع المدني التونسي وللتيار الاصلاحي الوطني منذ أكثر من قرن :” الخلدونية ”  ،  مثل الإعلاميين والجامعيين فتحي القاسمي وكمال بن وناس والأساتذة محجوب عون والبشير العياري وعبد اللطيف بن يوسف ومحمد بن الأصفر و ابرهيم شمام وجميلة مملوك فضلا عن عدد من رموز الحركة الوطنية والثقافية والإعلامية والكشفية التونسية مثل زكرياء بن مصطفى شيخ مدينة تونس ووزير الثقافة الأسبق وفؤاد المبزع آخر رئيس لجمعية طلبة شمال افريقيا المسلمين ثم الوزير ورئيس مجلس النواب  والزعيم الوطني الراحل الإعلامي والكاتب والرئيس المؤسس لجمعية الشبان المسلمين ثم رئيس جمعية دراسات دولية السفير الرشيد ادريس 

ثانيا :  الاستقلالية مع اختيار المشاركة على القطيعة والصدام مع السلطات ومع الآخر:

تميز الأستاذ كمال عمران طوال مسيرته الجامعية والإعلامية والثقافية باستقلاليته الفكرية والسياسية وكان طوال عقود من بين أقلية من النخبة التي لم تنخرط بقوة في عمل الأحزاب الحاكمة والمعارضة وحافظت على نفس المسافة تقريبا من كل قياداتها وأجنداتها.

لكن كمال عمران انحاز في نفس الوقت الى خيار المشاركة ومحاولة الإصلاح ودعم مسار التغيير من مواقع مختلفة ، ولم ينخرط في أي من تجارب المعارضة الراديكالية والقطيعة والصدام مع السلطات ومع الآخر.

في هذا السياق يفهم طبيعة أغلب المسؤوليات الإدارية التي تحملها والتي كانت أساسا تربوية وثقافية وفنية وفي الصف الثاني ، في وزارات التعليم العالي والتربية والثقافة والاعلام والشؤون الدينية والمجلس الإسلامي الاعلى.

وقد رشح كمال عمران لوزارة الشؤون الدينية منذ موفى التسعينات من القرن الماضي من قبل وزير التعليم العالي آنذاك الصادق شعبان ، لكن وزارة الداخلية وقصر قرطاج اعترضا عليه بسبب استقلاليته الفكرية والسياسية ورفضه الصدام مع الآخر سواء كانت مرجعياته إسلامية عروبية أو ليبيرالية ويسارية علمانية أو لائكية .

عين كمال عمران وزيرا للشؤون الدينية لمدة أسبوعين تقريبا قبل ثورة 14 جانفي 2011 بعد أن اكتسب شعبية كبيرة جدا في إذاعة الزيتونة والقنوات التلفزية، لينسحب بعدها ويعود للعمل بعيدا عن مؤسسات الحكم.

لم يسجن كمال عمران أبدا آرائه بسبب خطبه ومقالاته وانشطته ولم يلق دعما كبيرا في أغلب الفترات من قبل مؤسسات الدولة . لكن مرونته مكنته من أن يصنف حتى وفاته من بين المثقفين والإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني المستقلين الذين اختاروا المشاركة في الشأن العام ، وإن كان بعض الرسميين في الدولة أو في الأحزاب السياسية طرفا فيه ، على خيار المواجهة والقطيعة والصدام والانتماء إلى الأطراف المحسوبة على المعارضة الراديكالية .

وضع كمال عمران أسس اصلاحات بالجملة في الاذاعات التونسية ورسم مشروع تأسيس الاذاعة الثقافية التي رأت النور بعد مغادرته للمؤسسة .

وفي إذاعة الزيتونة ، التي ينص ترخيصها وقانونها الاساسي على صبغتها العامة بصفة شركة مفتوحة للإنتاج الاذاعي والتلفزي ، رسم الاعلامي كمال عمرن  مع مالكها الاول وبقية مسيريها  تصورا لدورها بما في ذلك تخصيص حوالي ثلث البرامج لتعليم القرآن الكريم والاحاديث النبوية ومجموعة من البرامج التفاعلية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية .

وبحكم تكفل المالك بالرواتب وبقية النفقات وعدم وجود فصل بين الادارة العامة والتحرير وقتها ، نجح كمال عمران في اعداد سلسلة من البرامج الاذاعية وتقديمها لوحده أو مع نخبة من الاعلاميين في المؤسسة . كما فتح أبوبا عريضة لعدد من الاعلاميين والاذاعيين والمثقفين ليقدموا برامج انفتحت على فئات عديدة في المجتمع وخاصة على الاطفال والشباب والنساء.

كان الاستاذ كمال عمران مديرا عاما لشركة راديو الزيتونة وأحد وكلائها بدون راتب . فقد كان يتقاضى راتبه كالعادة من وزارة التعليم العالي مقابل تماديه في التعليم وتأطير الطلبة وأسندت له المؤسسة سيارة وظيفية متوسطة ومنحة صغيرة .

ورغم ذلك تعاقبت الضغوطات على مالك الاذاعة وقتها من أجل الحد من صلاحياته أو ابعاده ، لأنه أثر في الخطاب الاعلامي و المسجدي في تونس وساهم في اخراجه من النمطية والسطحية والتقوقع وشجع تيار التنوير والاصلاح دون الوقوع في فخ النخبوية المبالغ فيها.

ثالثا : الانتماء إلى التيار الحداثي الإصلاحي ومسار الاجتهاد والتجديد مع اعتراض واضح للغلو بأنواعه:

 

ولعل من بين أبرز اضافات الاستاذ كمال عمران في مساهماته الاعلامية والثقافية تنزيله بأسلوب مبسط للرأي العام الشعبي وعموم المثقفين والاعلاميين أبرز الاستنتاجات والاضافات التي توصل اليها في دراساته الحضارية واللغوية والفكرية  الجامعية .

ويمكن في هذا السياق التوقف خاصة عند نجاح الخطاب الاعلامي الثقافي للأستاذ كمال عمران في ابلاغ الرسائل التالية :

 الدعوة الى الاصلاح والتجديد والانخراط في مسار الحداثة دون غلو مع التمسك بعدد من الثوابت والمرجعيات الثقافية التونسية والعربية الاسلامية والهويةَّ دون انغلاق ورفض كامل للتأويلات المتشددة والمتطرفة للإسلام والتراث عموما.

  •  وفاء للتراث التونسي والعربي الاسلامي مع دعوات قوية لعدم الخلط بينه وبين الموروث  الذي دعا الى التحرر منه خاصة عندما يؤثر في سلوكيات الناس عبر منح قادسة وهمية للعادات والتقاليد التي تفسر جانبا من الانغلاق والجمود والتخلف ورفض الاصلاح والتغيير والتجديد في البلدان العربية .
  • رفض الاصطفاف وراء التقييمات النمطية المنغلقة سواء كان رموزها من بين المحسوبين على التيارات العلمانية اللائكية اليعقوبية الفرنكفونية المتطرفة  ،  أو على التيارات الدينية المتشددة التي تخلط بين السلف الصالح والسلفية وبين التراث والموروث .
  • تركيز على الابعاد الانسانية والحضارية للفكر الإصلاحي التونسي العربي والإسلامي وليس فقط على ابعاده العقائدية والفقهية .

 

  • التعريف بالمنهج المقاصدي في فهم النصوص الاسلامية وبكون ” جلب مصلحة الانسان ودرء المفسدة “هي المقصد الاول للفقه الاسلامي . والتأكيد على كون   المطلوب من التيار الاصلاحي المعاصر المضي في مسار المصلحين سالم بوحاجب وخير الدين ومحمد عبده ومحمد الطاهر بن عاشور وتلامذتهم والاقتداء بهم عند دعوتهم المسلمين  الى إعطاء الأولوية لما جاء من أجله الاسلام من رسالة وليس فقط لما جاء به الاسلام من نصوص دينية .
  • التوفيق بين منهجي البرهان والبيان أي توظيف الخطابة في تفسير الحجج وتيسير فهم النصوص والاجتهادات ، دون اختزال الخطاب في فقرات لبث الحماس من جهة ودون افراغ الخطاب العقلاني المعرفي من شحنته الايمانية من جهة أخرى.
  • توظيف الدور الاصلاحي داخل الجامعة الزيتونية في القرنين الماضيين  لمحاولة بناء جسور صلبة بين تياري الحداثة والهوية في البلاد والتحرر من ثنائيات التعليم المدرسي والتعليم الديني وكلية الشريعة وكليات الآداب والعلوم الانسانية ، مع التأكيد على كون الانفتاح والاجتهاد ينبغي أن يشملا الثقافة والفكر وليس العلوم والتكنولوجيا فقط .

 

   اذن كان الاستاذ كمال عمران مفكرا ومثقفا واعلاميا ومصلحا سابقا لعصره لعب دورا رائدا وطنيا ودوليا .

لكن تعقيدات السياسة وصراعات السياسيين قبل ثورة جانفي 2011 وبعدها حرمته وحرمت أوساطا عديدة من الاستفادة منه ومن أفكاره ومن اضافاته رغم تكريمه من قبل عدد من قادة العالم بينهم الرئيس الفرنسي الحالي ماكرون ومستشاريه.

وبذلك كان كمال عمران من بين المثقفين الذين ظلموا مرتين : قبل ” ثورات الربيع العربي” لأنه لم يكن مواليا بالقدر الكافي “للنظام القديم” رغم بعض صداقاته . وبعد الثورات اضطهد لأن الحكام الجدد لم ينصفوه أيضا ولم يكلفوا أنفسهم عناء التعرف عن قرب على فكره ومساره الاصلاحي الطويل .

نجح كمال عمران عبر بوابات الاعلام والثقافة في رفع الحصار عن الجامعة وعن أفكاره  اعلاميا وثقافيا . لكنه مات محاصرا مهموما .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *