الروابط الاسرية بين متطلبات الشرع و حواجز العزلة الرقمية … بقلم ريم حمودة

الروابط الاسرية بين متطلبات الشرع و حواجز العزلة الرقمية … بقلم ريم حمودة

تونس- الزيتونة اون لاين :

 

صلة الرحم …بين الشرع و تقنيات الاتصال الحديثة

صلة الرّحم هي التّواصل ووصل الأقارب وعدم قطيعتهم لما لها من آثارٍ تعود على الفرد وانقياداً لما أمرنا اللّه سبحانه وتعالى به في محكم آياته، لبقاء الودّ والمحبّة بين النّاس وإبعاد البغضاء والمشاكل، ورفع من قيمتها وقال بأنّ قاطع الرّحم لا يدخل الجنّة.

تُعدّ صلة الرحم من الواجبات الاجتماعية التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بالحفاظ عليها، وجعل أجر واصلها عظيماً عنده. وصف الله سبحانه وتعالى قاطع الرحم بصفاتٍ سلبيةٍ كثيرة؛ وذلك لأن صلة الرحم دليلٌ على إيمان الفرد، واتّباعه لسنة الرسول عليه الصلاة والسلام.

الأرحام الذين لهم حق الصلة
 يقول الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: “الأرحام هم الأقارب من جهة الأمِّ ومن جهة الأب؛ فالآباء والأمَّهات والأجداد والجدات أرحام، والأولاد وأولادهم من ذكور وإناث وأولاد البنات كلهم أرحام، وهكذا الإخوة والأخوات وأولادهم أرحام، وهكذا الأعمام والعمَّات والأخوال والخالات وأولادهم أرحام، داخلون كلهم في قوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75]”.

فضل صلة الرحم في القرآن الكريم
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد:21]، وفي تفسير الآية الكريمة يقول الإمام السعدي رحمه الله سبحانه: “وهذا عامٌّ في كلِّ ما أمر الله تعالى بوَصْله؛ من الإيمان به سبحانه وبرسوله صلى الله عليه وسلم، ومحبَّتِه تعالى ومحبَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، والانقياد لعبادته وحده لا شريك له، ولطاعة رسولِه صلى الله عليه وسلم، ويَصِلُونَ آباءهم وأمَّهاتهم ببرِّهم بالقول والفعل وعدم عقوقهم، ويصِلون الأقاربَ والأرحام بالإحسان إليهم قولًا وفعلًا، ويصِلون ما بينهم وبين الأزواج والأصحاب والمماليك بأداء حقهم كاملًا موفرًا من الحقوق الدينية والدنيوية، والسبب الذي يجعل العبد واصلًا ما أمر الله تعالى به أن يوصَل خشية الله تعالى وخوف يوم الحساب؛ ولهذا قال الله سبحانه: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ}؛ أي: يخافونه، فيمنعهم خوفهم منه ومن القدوم عليه يوم الحساب، أن يتجرَّؤوا على معاصي الله تعالى، أو يقصِّروا في شيء مما أمر الله سبحانه به؛ خوفًا من العقاب، ورجاء للثواب”؛ (تفسير السعدي: موقع المصحف الإلكتروني بجامعة الملك سعود).  

وقال الله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ . أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد:22-23]، وفي هذه الآية الكريمة قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: “هؤلاء الذين يفعلون هذا، يعني: الذين يفسِدون ويقطعون الأرحامَ الذين لعنهم الله، فأبعدهم من رحمته فأصمَّهم، بمعنى: فسلبهم فَهْمَ ما يسمعون بآذانهم من مواعظ الله تعالى في تنـزيله، {وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}؛ بمعنى: وسلبهم عقولَهم، فلا يتبيَّنون حُجج الله سبحانه، ولا يتذكَّرون ما يرون من عِبَره وأدلَّته”؛ (تفسير الطبري: موقع المصحف الإلكتروني بجامعة الملك سعود).

  وقال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ . الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ﴾ [البقرة:26-27]، وفي الآية الكريمة بيان لخطورة قطع ما أمر الله به أن يوصَل؛ ومنه صِلَة الأرحام، وبيان أن هذه الأفعال يتَّصف بها الفاسقون، فكانت عاقبتهم أنهم من الخاسرين. 

فضل صلة الرحم في السنة النبوية

عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرَّحمُ معلَّقةٌ بالعرش تقولُ: مَن وصلني وصله اللهُ، ومَن قطعني قطعه اللهُ» (مسلم).   وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله خلَق الخلْقَ، حتى إذا فرغ من خلقِه قالتِ الرَّحِمُ: هذا مقامُ العائذ بك من القطيعة، قال: نعَم، أمَا تَرضَيْنَ أن أصِل مَن وصلَكِ، وأقطعَ مَن قطعَكِ؟ قالت: بلى يا ربِّ، قال: فهو لكِ»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: «فاقرؤوا إن شِئتُمْ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}[محمد: 22]»؛ (البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري).   وعن نفيع بن الحارث الثقفي أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من ذنبٍ أجدرُ أن يعجِّلَ اللَّه لصاحبه العُقوبةَ في الدُّنيا مع ما يدَّخر له في الآخرة -من البغيِ، وقطيعةِ الرَّحم»؛ (الترمذي)، وصححه الألباني.   وعن عبدالرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: أنا الرَّحمن، وهي الرَّحِم، شققتُ لها اسمًا من اسمي، مَن وصلها وصلتُه، ومن قطعها بتتُّه»؛ (أبو داود، وصحَّحه الألباني).   عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليومِ الآخر فليُكرِم ضيفَه، ومن كان يؤمن بالله واليومِ الآخر فليصِل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليومِ الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»؛ (البخاري)؛ وفي الحديث الشريف درَر ثمينة لترسيخ مفاهيم الإيمان عند المسلمين، وبيان لجملة مِن الأعمال التي يتحقَّق بفعلها تمامُ الإيمان بالله واليوم الآخر؛ ومنها إكرام الضيف وصِلة الرحم، وقول الخير أو الصمت إذا لم يكن هناك خير يقوله، وفي هذا تجنُّب للشرِّ المترتب على عدم قول الخير.  

كيفية صلة الأرحام

معرفة كيفية صِلة الرَّحم من الأمور الهامَّة للسَّعي لتفعيل هذه الكيفية بكلِّ سبيل يؤدِّي إلى تحقُّقها وجني ثمارها، وفيما يلي بيان لجملة من الفوائد الشرعية:

أولًا: صِلة الرحم مع من قطعها:

ورد في السنَّة النبوية توضيح لأهمِّ قاعدة في صِلة الأرحام؛ فعن عبدالله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصِلُ بالمُكافِئ، ولكن الواصل الَّذي إذا قُطِعتْ رَحِمُه وصلَها»؛ (البخاري)، وفي هذا الحديث الشريف تبيان عظيم للحثِّ على صِلة الرَّحم والوفاء بحقِّها؛ فمَن يصل مَن وَصَله فهو مكافئٌ لهذه الصِّلة، ولكن مَن يصِل الرَّحم مع مَن قطعها فهو حقًّا يَعرف قدرَ وفضيلة صِلة الرَّحم، ويجاهد نفسه ابتغاء لمرضاة الله تعالى، فالمسلم يصِل جميعَ الأرحام دون اعتبار لنزعات النَّفس أو مواقف الغير تجاه بناء صلة الرحم.

ثانيًا: الصدقة على ذوي الأرحام:

عن سلمان بن عامر الضبي رضي الله تعالى عنه قال: قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الصَّدقة على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرَّحم اثنتان: صدَقةٌ وصِلةٌ»؛ (النسائي، وصححه الألباني).   وعن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أفضل الصدقة الصَّدقةُ على ذي الرحِمِ الكاشح»؛ (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وفي هذا الحديث الشريف وصيَّة نبويَّة للحثِّ على أجر كريم؛ وهو الصدقة على ذي الرحم الذي يُضمِر العداوة، ومن يتَّبع هذه الوصيَّة الشريفة فهو يسعى إلى الإخلاص طمعًا في مرضاة الله الكريم، ويجب على المسلم أن يحفظ ماءَ وجه الغير من صِلة الأرحام وغيرهم، وأن يحرص على سرِّيَّة الصدقة، وأن يكون السبيل لذلك شكرًا لله تعالى على نعمه، وطلبًا للثواب، وخوفًا من العقاب، ومن وفى بهذه المطالب فسيجد ما يسرُّه في الدنيا والقبر والآخرة.

ثالثًا: الدعاء بظهر الغيب:

من ينابيع الخير الدعاءُ بظهر الغيب لكلِّ مسلم ولِمن لنا بهم صِلة رحم، وبالأخص الوالدين؛ وذلك لما لهم من حقٍّ عظيم علينا؛ فالدعاء بظهر الغيب مستجاب بفضل الله تعالى؛ فعن صفوان بن عبدالله بن صفوان رضي الله تعالى عنه قال: قدمتُ الشامَ، فأتيتُ أبا الدَّرداء في منزله فلم أجدْه، ووجدتُ أمَّ الدَّرداء، فقالت: أتريدُ الحجَّ، العامَ؟ فقلتُ: نعم، قالت: فادعُ اللهَ لنا بخيرٍ؛ فإنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يقول: «دعوةُ المسلم لأخيه بظهرِ الغيبِ، مُستجابةٌ، عند رأسِه ملَكٌ مُوكَّل، كلَّما دعا لأخيه بخيرٍ، قال الملَكُ الموكل به: آمين، ولكَ بمِثل»؛ (مسلم)، فلنحرص على ملازمة الدعاء للمسلمين ولمن لنا بهم صلة رحم، ومن ثابر على ذلك نال الوعد العظيم بالاستجابة.

صلة الارحام و تاثرها بالتقنيات الحديثة 

تتعرض العلاقات الأسرية والاجتماعية في واقعنا المعاصر لانحسار رهيب نتيجة لتغوّل عالم التقنية الذي قلّص من حجم التفاعلات الواقعية، لنكون أمام مد افتراضي مقابل جزر في العلاقات الواقعية بين الناس.

 لقد استقطبت وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها شرائح واسعة من المجتمع التي وجدت فيها الفضاء الأنسب لممارسة غريزة التواصل في بعده الافتراضي، وهو الأمر الذي ألقى بظلاله على أنماط التواصل الطبيعي وهو سمة الإنسان منذ أن وجد على وجه البسيطة، حيث انحسر حجم التواصل الفعلي بين أفراد الأسرة، وانحسرت معه العلاقات الاجتماعية ، وصار كل فرد من أفراد الاسرة الواحدة في معزل عن الفرد الآخر، يأوي إلى ركنه الخاص، منكفئا على  نفسه، ونائيا عن العالم الحقيقي في الواقع، ولم يعد مفاجئا عندما تزور بيتا من البيوت، وتلفي أهلها في حكم الغياب، و تشعر للوهلة الأولى أنهم نيام، هذا الواقع الأليم الذي تعظم صورته يوما بعد يوم، أضحى السمة الملازمة لكل بيت في عالمنا العربي، وحتى الاطفال الذين كانوا يوما يملؤون  البيت والشارع صخبا، انطفأت جذوة حناجرهم فجأة، وانفرد كل واحد منهم بعالمه بين التلفاز واللوحات الإلكترونية ما يطرح إشكالات خطيرة عن مستقبل هؤلاء الأطفال في حياتهم الدراسية والعملية، إذ بدون ممارسة التواصل الطبيعي سيكون من العسير على جيل المستقبل أن يواجه معترك الحياة، والأخطر من ذلك هو انتشار الاضطرابات التوحديّة التي أصبح تهديدها يتمدد بفعل  التكنولوجيا الحديثة، والتي من المفترض أن تكون في خدمة الإنسان، وهو ما سيكون وبالا على الأسر والمجتمعات في المستقبل، ما يحتّم على المختصين ورجال الفكر والإعلام ممارسة دورهم في بث الوعي بخطر هذه الممارسات الخاطئة وانعكاساتها المستقبلية، وتنشيط التفاعلات الطبيعية بين أفراد الأسرة ، والاستثمار في العلاقات بين الأسر، انطلاقا من موروثنا الديني والثقافي الذي يحض على التزاور. ولقد أكد علماء النفس والاجتماع على تفوّق الأطفال الذين ينشؤون في نطاق الأسر الكبيرة اجتماعيا وتفاعليا، وتكون لهم  طبيعة انفتاحية في ممارسة الفعل التواصلي، على نظرائهم في الأسر المنكفئة على ذاتها، وخلصوا إلى نتيجة هامة، وهي عدم معاناة الفئة الأولى من اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب و الخوف الاجتماعي ومشتقاته، في حين كان للفئة الثانية نصيب كبير من هذه الاضطرابات، خاصة مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، ولذلك أقول إن العالم الحقيقي هو ما نعيشه وليس الفضاء الإلكتروني رغم أهميته، فلنعش في الحقيقة ونلامس الحقيقة حتى نعيش بسعادة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *