الوطنية بين المفهوم و الممارسة…بقلم أحمد طبابي

الوطنية بين المفهوم و الممارسة…بقلم أحمد طبابي

تونس-الزيتونة اون لاين:

 

     أحيانا يتفق الناس في تعريف الأشياء و تحديد مفاهيمها غير انهم يختلفون في ذلك أحيانا أخرى . و في هذا الصدد لعلي لست في حاجة الى التذكير بكل المعاني التي ارتبطت بأحد المفاهيم ألا و هو مفهوم الوطنية التي تداول ذكرها على ألسنة المثقفين و في كتبهم و لم يقتصر هذا التداول على هذه الفئة من المجتمع فقط بل تعدى الى عامة الناس أيضا.

    اليوم و نحن نعاصر منعطف تاريخي حاسم تمر به بلادنا ككل بلدان عالمنا العربي .منعطف أقل ما يقال عنه أنه مقلق و خطير، في ارتباط بالوضع العالمي المتقلب .وضع صار فيه الانسان ضحية أفكاره المدمرة و عواطفه الأنانية الضيقة.

    انه ليس قدر هذا الشعب دون غيره من شعوب الأرض أن يعيش أصعب لحظات التاريخ. و ليس قدر هذا الجيل دون غيره من الأجيال أن يجابه تحديات عصره.و لكنه قدر الانسان الذي تجري عليه سنة التاريخ حتى لا يفقد وجوده ، وجود يمنحه حقيقة الذات و صوتها . و قدره هذا محكوم بإرادة هذا الانسان ذاته  فلعل ما يدعم ذلك ما نستلهمه من معاني تصب في هذا الاتجاه من الآية الكريمة “إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم”  و هذه المعاني نفسها تجسدت في تجربة شاعر الحياة أبو القاسم الشابي فقال:  

اذا الشعب يوما أراد الحياة               فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي                      ولا بد للقيد أن ينكسر

  لا يختلف اثنان في أن هذا الكائن الاجتماعي (الانسان) كما وصفه واضع علم الاجتماع ابن خلدون “مدني بطبعه”  لا يستطيع إلا أن يتفاعل مع مجتمعه ومن فطرته عبر العصور ،كفرد، المساهمة في المسيرة الجماعية لبني وطنه. ومن هنا ندخل في صميم الموضوع و نأتي على المفهوم الذي بدأنا به الكلام ، مفهوم ” الوطنية ”

ما أكثرها هي العبارات التي أصبحنا اليوم نرددها بكثافة على وجه العموم و الغموض دون تحديد ماهيتها و رسم أبعاده ، ومن هذه العبارات عبارة “الوطنية” فمن كثرة تداولها على مستوى وعينا الفردي و الجماعي حتى بدأت تفقد حرارتها و نفقد معها نحن شيئا من ذواتنا بل قل انها أضحت شعار أقرب منها الى قيمة نستهلكه في جميع المجالات و على جميع الأصعدة. و السبب في ذلك ربما يعود الى موت الاحساس و الشعور بقيمة هذا المفهوم أو يكاد في عقولنا و وجدانا لذلك لم  يترجم هذا المفهوم بسلوك عملي على أرض الواقع. فاقتصرنا على نطق اللفظ فحسب و لم يتطلب منا ذلك غير جهد طرفي اللسان ليس رغم أنه مفهوم خطر المدلول ذو فاعلية نفسية مؤثرة على الأفراد و الجماعات و للمتخصصين في علم النفس الاجتماعي  الكثيرما يقولوه في هذه النقطة هذا بصفة عامة لأنه ليس من زاوية طرحنا للموضوع و حتى لا نغرق و نتيه في اللامحدود.  

و انطلاقا من أن الوطنية كمفهوم شاسع يمتد على مدى الفكر الإنساني فانه يبدأ بالشعور بالانتماء و ينتهي الى الممارسة فعلا فلا يسعنا في هذا الاطار إلا أن نلخص تعريف الانسان “الوطني” بأنه  ذلك الذي يشعر بولاء مطلق لبلده و في نفس الوقت و بمسؤولية تاريخية نحو مجتمعه .و يمكن أن نضيف أيضا أنه  ذلك الذي يسامره قلق دائم نحو المشاكل التي يعيشها شعبه. هذا مادام القول مقرون بالعمل. و لا يفوتنا في هذا الصدد إلا ننوه بأن مستوى هذا الشعور بالانتماء و الممارسة يختلف من فرد الى آخر و من مجموعة بشرية الى أخرى و مرد هذا الاختلاف و نشأته مرتبط أساسا في جوهره بواقع المجتمع و ما حف به من ظروف سياسية و اجتماعية و اقتصادية و ثقافية و عوامل أخرى ذاتية متصلة بتكوين هذا المجتمع أو ذاك  كميزة من احدى مميزاته. و سنتطرق اليها بالتفصيل في مقال آخر ان شاء الله .

 

 

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *