نجمة داود في إفريقيا  ومستقبل العطش العربي…بقلم : غفران حسايني صحفي و باحث دكتورا في الحضارة

نجمة داود في إفريقيا  ومستقبل العطش العربي…بقلم : غفران حسايني صحفي و باحث دكتورا في الحضارة

تونس – الزيتونة اون لاين :

عملت الصهيونية منذ أن كانت فكرة في رؤوس زعمائها ومنظّريها على تأمين مستقبل يهود العالم على حساب حقوق الشعب العربي باغتصاب أرضهم وسمائهم وثرواتهم الباطنية وتهديد  أمنهم الغذائي ومستقبلهم القومي .وهاهي اليوم  قضيّة المياه في منطقة الشرق الأوسط وفي دول حوض النيل ومنبعه تلقي بضلالها على خارطة المنطقة وتوازناتها الجيواستراتيجية بتنفّذ صهيوني واضح يحرّك خيوط التآمر على حياة الشعب العربي في مصر والسودان مع انخرام التوازن الاستراتيجي بين العرب وإفريقيا السوداء التي أصبحت مرتعا للديبلوماسية الصهيونية على كل المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية مما يهدد في المستقبل غير البعيد أكثر من ثلث الشعب العربي بالعطش والمجاعة والخراب .

لمحة عن نهر الخصب و الحياة (النيل).

 

تعلمّنا منذ نعومة أظافرنا انّه لولا النيل لما وجدت الحياة في تلك المنطقة من العالم ، و لولا الحياة التي وهبها النيل لشعوب شمال شرق أفريقيا لما وجدت الحضارة ولما بنيت الأهرامات على ضفاف اليم الذي ذكر في القرآن الكريم في قصّة موسى عليه السلام و ذكر في أسفار بني إسرائيل وقصص أحبارهم و أنبيائهم، إنه النهر العظيم الذي يعادل وجوده وجود مصر خاصّة التي تعتمد أكثر من 95 بالمائة من مواردها المائية على هذا النهر الخالد و تعتمد السودان على 15 بالمائة من مواردها على هذا النهر.

يتّجه نهر النيل من الجنوب اين تقع دول المنبع إلى الشمال حتّى مصبّه في البحر الابيض المتوسّط يمتدّ على طول يقدّر ب 6650 كلم كأطول أنهار العالم بمساحة حوض النيل تقدّر ب 3.4 مليون كم مربّع ويمرّ مساره بعشر دول إفريقية  وهي (مصر ،السودان ،أوغندا ،إثيوبيا ،الكونغو الديمقراطية ،بوروندي ،تنزانيا ،رواندا ،كينيا ،أريتريا ) .

و يعتبر النيل أطول أنهار الكرة الأرضية أين يبدأ مساره من بحيرة (فكتوريا)  المصدر الأساسي لمياه النيل والتي تبلغ مساحتها 68 كلم مربع  على حدود اوغندا و تنزانيا و كينيا أين تدفّق المياه في  هذه البحيرة إلى أكثر من 20 مليار متر مكعّب سنويا كثاني أكبر بحيرة للمياه العذبة في العالم والأكبر في افريقيا ، و تعبأ مياهها من الأمطار الاستوائية التي قد تصل إلى 114 مليار متر مكعّب  لا يخزّن منها إلا 20 مليار متر مكعّب فضلا عن ضياع أكثر من 740 مليار متر مكعب من مياه الإمطار  في أثيوبيا   التي تنزل على أرضها نصف مياه الامطار النازلة على دول الحوض العشر مجتمعة ولا يصل إلى نهر النيل إلا  60 مليار متر مكعّب فقط تتدفّق شمالا إلى مصبّ النهر العظيم في البحر المتوسّط بعد مروره بعشر دول افريقية ليهب النهر  الحياة و الخصب لهذه الشعوب كما يمكن ايضا ان يزرع بينها الشقاق و الفتنة أيضا بأياد صهيونية.

وعي الصهيونية التاريخي بأهمية المياه .

 

 

منذ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأوّل عام 1897م في مدينة بازل السويسرية تطرّق الصهاينة وهم يخططون لتأسيس دولتهم إلى حتمية تأمين مياه الدولة اليهودية التي ستقام على أرض فلسطين ،وبدأ معها مؤسس الدولة الصهيونية تيودور هرتزل مفاوضات محمومة عام 1903 مع حكومة بريطانيا من أجل توطين اليهود في سيناء لتمكينهم من استغلال المياه الجوفية للمنطقة.

وبعد تأسيس دولة العدو الصهيوني عام 1948 عمل الكيان الغاصب بكل السبل على سرقة مياه العرب ومحاولة الاستحواذ على مصادرها ،إذ طرحت دولة الاحتلال عام 1974 مخططا يقضي بنقل مياه نهر النيل إلى داخل الأرض المحتلّة عبر حفر ست قنوات تمر من تحت قناة السويس لنقل ما يقارب المليار ممن المياه المصرية سنويا ، حيث عمل المهندس الصهيوني (أليشع كيلي) على مشروع توسيع ما يسمّى (ترعة الإسماعيلية) لجلب مياه النيل إلى داخل الأرض المحتلّة مع تدفّق المياه داخلها لتتمكن إسرائيل من سحبه من تحت قناة السويس.

وقد أكّدت عديد الدراسات والتقارير أن الكيان الصهيوني طرح اكثر من مرّة في مفاوضاته مع العرب قضية مياه النيل تحديدا وطالب بحصوله على 10 بالمائة سنويا أي ما يقارب من 8 مليار م3مما يدّل على انّ خبراء الدولة العبرية ومهندسيها يوقنون أن استمرار دولتهم في المستقبل المتوسّط و البعيد يمرّ بتأمين مصادر الحياة وهي المياه الجوفية و العابرة للأنهار في البلدان العربية عن طريق السطو عليها و نهبها و تأمين حاجيات المهاجرين الصهاينة إلى فلسطين المحتلّة.

حاجة عرب أفريقيا إلى المياه .

قالها منذ القديم المؤرّخ الإغريقي هوميروس بأن » مصر هبة النيل  » لأنّ هذا النهر يحمل الخصب والحياة لشعب مصر و السودان ، فمصر التي يصل عدد سكّانها إلى 80 مليون نسمة تقدّر حصّتها من مياه نهر النيل ب 55.5 مليار متر وتقدّر كميّة المياه المهدورة ب85 مليار م3 بما يصل إلى 2000 مليار متر مكعب سنويافي كامل دول الحوض،  واللافت للانتباه أن حصّة مصر من المياه لم تتطوّر منذ كان عدد سكّنها 20 مليون نسمة سنة 1959 حسب الاتفاقية الموقّعة بين مصر والسودان عام 1959 ليبقى للسودان حصّة تقدّر ب 17.5 مليار متر مكعّب .

وتقول الدراسات إن تعداد السكّان في مصر سيتراوح بين 120 و 140 مليون ساكن سنة 2050 و انّه في سنة 2017 ستحتاج مصر إلى 86 مليار متر مكعّب  من المياه سنويا مما يجعل مصر تجابه عجزا مقداره 15 مليار متر مكعّب من المياه  مما  ينبئ بأزمة مياه  ستجابهها مصر قادم السنوات ، و قد اكّدت تقارير أخرى صادرة في ذات الموضوع حول نصيب الدول العربية من مياه النيل أنّ مصر والسودان مجتمعتان لا تحصلان سوى على 4 بالمائة سنويا من مياه النهر مع أن عدد سكّان البلدين يمثّل نصف عدد سكّان دول الحوض مجتمعة بما يفتح عديد التساؤلات عن مستقبل الشعوب العربية وضرورة تأمين حاجياتها من مياه النيل وضمان حقّها التاريخي في هذا النهر العظيم ، خاصّة و أنّ الاتفاقيات القديمة التي أبرمتها مصر تضمن للبلاد الحد الأدنى من الامن المائي.

التغلغل الصهيوني في إفريقيا:

 

في ظل الأزمات الداخلية التي تعصف بالعرب و التهميش الذي عرفته إفريقيا في أولويات ديبلوماسية الأنظمة العربية التي عوّلت على تحالفاتها التقليدية  والتفتت شرقا و غربا لدول العالم معرضة عن عمقها الافريقي الذي راهن عليه جمال عبد الناصر منذ الخمسينات، فقد عملت إسرائيل على تنشيط علاقاتها الديبلوماسية والاقتصادية والعسكرية مع دول حوض النيل دافعة بكل قوّتها إلى تأليب دول حوض النيل على مصر و السودان لإضعافها و اشغالها بتأمين مصادر مياهها، توازيا مع  قيام دول العدو بدراسة عن طريق الأقمار الصناعية عام 1990 لتقدير كمّية المياه الجوفية المخزّنة في صحراء سيناء لحفر آبار على عمق 800 متر لنهب ثروات مصر المائيّة في الشمال الشرقي للبلاد ،و العمل على تطويقها وخنقها في الجنوب بدفع دول المنبع للمطالبة بالمحاصصة المتساوية في نهر النيل ومطالبة دول المصب (مصر و السودان) بدفع أثمان مياه النهر .

ويرتكز التحرّك الصهيوني في افريقيا على العمل المخابراتي القائم على عقد اجتماعات أمنية مع دول حوض النيل لتحريضها على الضغط على مصر لمراجعة الاتفاقيات القديمة التي تضمن لمصر و السودان الحد الأدنى من نصيب المياه وفق معيار  عدد السكّان وحاجيات كل دولة ،إذ تقوم إسرائيل بإغراء الدول الافريقية بالسلاح والمساعدات المالية و الغذائية وتقنيات حديثة لبناء السدود وهذا ما ذهبت فيه إثيوبيا و أوغندا التي تعرف العلاقات فيما بينها تقاربا قويا لإضعاف الموقف المصري .

وقد تم توقيع اتفاقية 1999 بين دول حوض النيل في تنزانيا التي تم فيها التضييق على مصر بدعم صهيوني وصل ذروته سنة 2004 حين أبدت تنزانيا رغبتها في التزوّد من مياه بحيرة فيكتوريا  بأنابيب تصل طولها إلى 170 كلم مما يمس من نصيب مصر مباشرة في مياه النيل  خاصّة بعد انشغال السودان بأزمات داخلية أدّت به إلى التقسيم بتدّخل صهويني مفضوح دعم الجنوب على حساب الشمال عسكريا ومخابراتيا وديبلوماسيا لتطويق الموقف المصري و إضعافه.

 

قصور الديبلوماسية العربية في افريقيا  ومستقبل العطش العربي.

في الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل بدفع منظماتها ومجتمعها المدني إلى تقوية علاقاتها بدول حوض النيل وخاصّة أكبر المنظمات اليهودية الامريكية (منظمة التبادل) بتبادل زيارات مع مسؤولين أفارقة من رواندا و أثيوبيا على أعلى مستوى لعقد لقاءات مع وزراء إسرائيليين لدفع انخراط الكيان الصهيوني في دعم افريقيا وتنشيط التنمية الغذائية والمائية والاقتصادية لدى دولها بما يخدم المشروع الصهيوني لتطويق موارد المياه العربية . تعرف الديملوماسية العربية فتورا كبيرا في علاقاتها مع افريقيا حوض النيل بما دفع هذه الدول الى الذهاب في فرض الامر الواقع و بناء السدود و المطالبة بإعادة اقتسام المياه و نقض الاتفاقيات الدولية الموقّعة مع الدول العربية منذ عشرينات القرن الماضي و آخر خمسيناته .

و هذا ما يفتح الباب على مستقبل يتهدده العطش والخراب في دول تعاني من أزمات سياسية خانقة تعصف بها التوتّرات والصراعات الداخلية التي ألهتها عن وضع استراتيجيات واقعية لضمان مستقبل الحياة لشعوبها الآخذة في الازدياد ليبلغ تعداد مصر في سنة 2050 سيترواح بين 120 و 140 مليون نسمة وفي عام 2017 ستحتاج أرض الكنانة إلى 86 مليار متر مكعّب من المياه سنيوا بينما لن تستطيع البلاد توفير غير 71 مليارا بعجز يصل إلى 15 مليار متر مكعّب من المياه سنويا خاصّة ان عدد السكّان يتطوّر و نصيب المياه لم يتطوّر منذ اتفاقية 1959 حتّى اكّدت الدراسات أنّ عجز مصر سيصل سنة 2025 إلى 31 مليار متر مكعّب من المياه سنويا مما يجعل إسرائيل تنذر العرب بتحويل كلّ بلادهم  » إلى حضرموت ».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *