متى يضطلع الخطاب الديني بدوره الشمولي  في الحرب على الإرهاب ؟ … بقلم  غفران حسايني

متى يضطلع الخطاب الديني بدوره الشمولي في الحرب على الإرهاب ؟ … بقلم غفران حسايني

بقلم الأستاذ غفران حسايني         

إعلامي وباحث في الحضارة والفكر الإسلامي 

 

يتغذى الإرهاب ويستمد وجوده الفكري من قراءة  منحرفة للتعاليم الدينية  المقدسة التي  يعمل على انزالها إلى أرض الواقع لإحداث نوع من التغيير الجذري والسريع والشامل  والعنيف، ومن هنا عرّف الأستاذ شريف بسيوني الإرهاب بأنّه “إستراتيجية عنف محرّم دوليا تحفّزها بواعث عقائدية ، وتتوخى احداث عنف مرعب داخل شريحة خاصّة من مجتمع معين لتحقيق الوصول إلى السلطة ،أو بدعاية لمطلب أو لمظلمة([1]).

وعلى اعتبار أن منطلقات الإرهاب ونظريته تستمد مشروعيتها من قداسة الدين ،فالمعركة ضد الإرهاب لا تنفك مطلقا عن معركة الخطاب الديني متعددة الجبهات ،منطلقها تجديد هذا الخطاب وتجاوز جموده المضموني والشكلي ومنتهاها مقارعة الأفكار الهدّامة التي تستثمر في الدين في معترك صراع التأويلات النصيّة بين قراءات جامدة انتقائية وقراءات أخرى شمولية متناغمة مع تطور العصر ومواكبة لمقتضيات الزمن في تفاعل أزلي بين الوحي والواقع متصالحة مع ذاتها منفتحة على نسق التطور التاريخي للفكر الإسلامي و الإنساني .

 

 

سبات الخطاب الإسلامي في حربه الفكر الإرهابي وتداعياته:

يعرّف الخطاب الديني في المجامع الإسلامية كما ورد في الدورة الخامسة عشر لمجمع الفقه الإسلامي الدولي سنة 2004″على انه طريقة التعبير التي تبيّن حقائق الإسلام وشرائعه في شتّى مجالات الحياة العامّة و الخاصّة “([2]) إلا أن دور  هذا الخطاب يعرف اليوم  انحسارا وجمودا كبيرين وعزلة شديدة في تعاطيه مع قضايا الواقع بمعطيات علمية وتنويرية تجعله قادرا على مجابهة القضايا المطروحة واولها الارهاب والتطرف وتوظيف الدين في مشاريع دموية ضد المصلحة العامة والخاصّة.

فالمؤسسات الدينية في العالم الإسلامي عامّة وفي تونس خاصّة  لم تحمل على عاتقها مواكبة تطورات العصر والعمل على مسايرة القضايا الجوهرية التي يعيشها المجتمع ويعاني منها  وفي مقدمتها الحرب على الإرهاب بطرق علمية ومنهج واضح وفعال يفك شفرات العصر وادوات التواصل الرقمية والتقنية والاتصالية بالقدر اللازم دون الاكتفاء بالخطب العصماء في الندوات العلمية  أو المجلدات الضخمة الصادرة عن المجامع الفقهية التي لا يطلّع عليها عامّة الجماهير التي يستهدفها الإرهاب بمخططاته ،وهذا ما أحدث فجوة هائلة في الوعي الديني جعلت الخطاب الإسلامي مجرّد لغة بروتوكولية أقرب للفلكلور الذي ترعاه المؤسسات الرسمية بتحويلها للخطاب الإسلامي إلى خطاب مناسباتي يظهر في الأعياد والاحتفالات ثم يدخل في سبات عميق مما أحدث فراغا هائلا  تسّرب من خلالها الفكر الإرهابي إلى عقول الشباب وفق أجندة منظمة للجماعات المتشددة تكرّس جملة من المسلمات الفكرية والدينية أوّلها :

  • التمسّك بفهم مقدّس للموروث الفقهي الذي هو اجتهاد بشري مرتبط بالزمان والمكان والعمل على إسقاطه على أرض واقع حي له رهاناته وله قضاياه وله مميزاته المختلفة عن مميزات أسلافنا ومجتمعاتهم حتى اعتبر المستشرق الألماني فرهارد دفتري في كتابه “المناهج والأعراف العقلانية في الإسلام” أن التاريخ عند المسلمين دين ،والدين عندهم تاريخ” وهذا الذي يعطينا تفسيرا لمن يطبّق فتوى القرن الرابع للهجرة في القرن الحادي والعشرين .
  • ثانيا الادعاء بأن الاسلام يقف عند حدود فهم من الأفهام أو تفسير من التفاسير التي لا يجوز تجاوزها وكل ما خالف هذا الفهم يعتبر مبتدعا وضالا في الدين ،وهذا ما يمثّل انحرافا خطيرا عن مقاصد الاسلام كدين وعن مقاصد السلف كفكر وقد ذكر الإمام القرافي في كتاب الفروق ” أن الجمود على المنقولات ضلال في الدين وجهل بمقاصد المسلمين  والسلف الماضين” .([3])

فغياب الخطاب الإسلامي المتوازن في واقع حي وحركي هو الذي ترك المساحات الشاسعة أمام اجندات التطرف والإرهاب لتقوم بمصادرة  الرسالة الاسلامية وتحولها الي قالب جاهز أشبه بخرافة بروكست اليونانية القديمة التي تروي مساوئ قاطع طريق كان يرقد ضحاياه على سرير ضيق فإذا كانت الضحية أضخم من السرير قطع رجليها وإذا كانت الضحية قصيرة مدّد أعضاءها بفصل الرجل عن الجسد

فبالرغم من ان  المعركة التي تخوضها الأمّة اليوم هي أكثر المنعطفات خطورة في تاريخها القديم و الحديث والمعاصر فإننا لا نرى او نلتمس وجود برنامج او خطّة عمل استراتيجية تخرج بالخطاب الديني من السبات إلى الحركة والفعل ، فالمسلمون عبر تاريخهم كانوا يواجهون اعداءهم  من غزاة ومستعمرين وهم يستمدون من الإسلام روح وجودهم واستمرارهم ومقاومتهم  إلا انه اليوم نرى الإسلام نفسه يفتك من المسلمين  ويهجّر قسرا إلى عقول متكلّسة جامدة متطرّفة تتبنى  الوصاية على الفكر بالغلو والتشدد وتفرضه على الناس بالقوّة وقتل المخالفين وتكفير المسلمين والاعتداء على الآمنين مستعملين في ذلك أحدث وأسرع أجندات التجنيد وأكثرها فتكا بعقول المسلمين وبالمجتمع.

وهذا ما يقتضي ضرورة اشتباك الخطاب الديني الوسطي والتنويري مع خطابات التكفير والجمود والتخلّص من الآفات التي يعاني منها هذا الخطاب في جنوحه إلى التشديد والتعسير والتضييق في مسائل الحلال والحرام وفي قضايا الفنون والاقتصاد و السياسة بما يتلاءم مع روح العصر من دون المساس بالثوابت العقائدية والأخلاقية .

وإن هذا الذي أسميه اشتباك الخطاب الاسلامي التنويري مع الخطاب التكفيري الجامد  يقع على عدّة مستويات .

 

  • أولا رهانات التحرير في الخطاب الديني

وهو ما يتعلّق اولا بتحرير الخطاب الإسلامي من تلك الصبغة البروتوكولية الفلكلورية التي أضحت تضطلع بها المؤسسات الدينية التي تقتصر في مهامها على الشكليات الفقهية والإدارية مما جعلها بعيدة عن متغيرات الواقع وقضاياها وافتقادها لأدوات التشخيص والمعالجة العلمية لعديد الظواهر الاجتماعية كالانتحار والجريمة والتفكك الأسري وانحدار القيم والإرهاب بما جعل المؤسسات الدينية عاجزة عن وضع الاستراتيجيات الفعاّلة لمجابتها بالتعاون مع جهات أخرى كالمجتمع المدني والمنظمات الدولية .

كما انه لا يمكن بأي حال أن يتحرر الخطاب الديني إلا  بتنقية الخطاب نفسه من كل ما يعطل نسقه التقدمي التنويري المتعارض مباشرة مع مقتضيات العصر والتي جعلت عديد الدراسات الغربية كما ذكر الباحث الأمريكي سكوت هيبارد ( Scott W. Hibbard ) في كتاب له بعنوان “السياسة الدينية والدول العلمانية “تكّرس فكرة أن الإسلام تحديدا من بين الأديان الأخرى يعتبر معاديا للمنطق والحداثة ويتناقض مع مبادئ وأعراف التنوير التي تشكّل المجتمع الحرّ ([4])

ففتح باب الاجتهادات المعاصرة اليوم أضحت ضرورة ملحّة لإخراج الفقه والفكر الإسلاميين من مدار التقليد الأعمى ،والمقصود بذلك التحرر البنّاء من سلطة الفهم الأوّل التي هيمنت على وجدان المجتمعات  حتى أصبحت التيّارات الأكثر أصولية وسلفية تهيمن على المشهد الإسلامي باعتبارها الناطق الأمين باسم  أصالة الإسلام بما جعلها  تحتكر سلطة المعرفة الدينية باسم السلف الصالح ،فغدونا نواجه  قضايا عصرنا  ونحن ملتفتون إلى الوراء، عسى أن نتلقّى وحيا  أو فهما قديما يسعفنا بالنجاح في امتحاناتنا الراهنة .

ولنا أن نشير إلى انتقاد الإمام بان عاشور لهذا المنهج المنغلق في التعامل مع الخطاب القرآني في مقدمات التحرير والتنوير حين اعتبر أن أغلب كتب التفاسير الموجودة التي اعتمدت المنهج السلفي في التفسير، مقتصرة على الإحالة  على كلام سابق لاحظّ لأغلب المؤلفين فيها  إلا جمع كلام الأقدمين على تفاوت بين الاختصار والتطويل(2) وهو ما يمثل تعطيلا لفيض القرآن الذي ماله من نفاذ .

لذلك وجب على الخطاب الديني التنويري أن يتمثّل نفسه من داخل المدارس الفقهية والفكرية المستنيرة التي تؤمن أنه لا يوجد فقيه هو آخر الفقهاء و لا مفسّر هو آخر المفسرين بل هو نسق يحاكي فيه العقل المسلم أزلية الوحي وخلود الرسالة ، دون أن يكون في ذلك قطيعة تتنكر للأصل وتنصهر في التغريب المتعارض كليا مع بنية الفكر و الثقافة الإسلامية وهو ما بدأه فعلا جمهرة من علماء الإسلام الذين نادوا بضرورة الانتقال من الإجتهاد الفردي إلى الاجتهاد الجماعي الذي يتشاور فيه علماء من مختلف التخصصات والمشارب في القضايا الراهنة المطروحة.

 

  • ثانيا رهانات التنوير والاشتباك الديني مع الارهاب

إن  ما نعيشه نحن اليوم كمسلمين ليس معركة عادية أو عسكرية أو احتلال لأرض واغتصاب لثروات ،أبدا فنحن نعيش حربا رمزية على الإسلام من داخل الإسلام نفسه ، وهنا تكمن الخطورة لأن الارهاب يستهدف الوعي الجمعي لهذه الامّة بأن دعوة نبييها ” رحمة للعالمين “، بأن رسالتها هي رسالة الحق ضد الباطل والعدل ضد الظلم والحرية ضد العبودية والأخوّة ضد الكره والمساواة ضد الميز والعنصرية .

لذلك تتعلّق مسؤولية هذا التنوير أولا بجهود المؤسسات الدينية الرسمية والمفكرين والباحثين والدعاة والأئمة في الاشتباك العلمي والكلامي مع الفكر الإرهابي المتطرف والمنغلق بالإلمام بفلسفة الاسلام في بناء الانسان والحضارة بعيدا عن منطق العنف والرفض والاقصاء التي تتناقض مع روح الإسلام في استنبات ثقافة قائمة على الإعتدال والعدل وهي الركيزة التي قامت عليها السماوات والأرض كما قال القرآن العظيم ” وتمّت كلمة ربّك صدّقا وعدلا لا مبدّل لكلماته وهو السميع العليم” صدق الله العظيم .وقد عقّب  الإمام بن عاشور تعقيبا غاية في الروعة بقوله “إن القرآن بلغ أقصى ما تبلغه الكتب في وضوح الدلالة وبلاغة العبارة عادل في أحكامه لا يعثر في أحكامه على ما يخالف الواقع وفي ذلك ضرب من التحدي والاحتجاج بالقرآن

إن دور الخطاب الديني  في الحرب على الإرهاب محوري وفق إستراتيجية واضحة ومتماسكة تحتاج اجندة إعلامية واتصالية موازية لما يستخدمها الإرهابيون  تدفع بالدين إلى خندق الصراع  مع الإرهاب بأدوات علمية واتصالية وتقنية متطورة إذ كيف يمكن ان أن نتخيل اليوم حربا على الإرهاب  بمجرّد دروس وعظية وإرشادية متلفزة في الوقت الذي يستخدم فيه الإرهابيون أحدث التقنيات والمضامين صوتا وصورة لتجنيد الشباب فالمعركة مع هذا الفكر القاتل أشبه بصراع حياة أو موت نحتاج فيه إلى عدّة مستويات .

  • الحاجة إلى الخطاب العلمي الأكاديمي الذي يصوغه المفكرون والباحثون المسلمون في ردّ شبهات الفكر الإرهابي ودحض حججه وفق رؤية شمولية للإسلام ،مقاصدية عقلانية وسطية متجذّرة في مسار الفكر الإصلاحي والمقاصدي الذي عرفته الثقافة الإسلامية.
  • ارساء خطاب ديني  داخل المساجد قائم على تنوير العقول والانتصار للقيم الإسلامية وتبيان انحرافات الغلو والتطرف من داخل القرآن نفسه كما قال تعالى “وجاهدهم به جهادا كبيرا “ وذلك لا يكون إلا  باكتساب الأئمة والخطباء القدرة القدرة على التبليغ والتواصل مع الشباب والمجتمع واستثمار رمزية المسجد والمنبر والمحراب في استقطاب المصلين إلى الفكر الوسطي المعتدل.
  • الحاجة إلى خطاب إعلامي ديني متماسك مضمونيا متطور اتصاليا قادر على تضييق الفجوة الإعلامية التي سمحت للفكر المتطرف بالاستحواذ على الفضاء الإعلامي في الفضائيات ووسائل التواصل الإجتماعي وبما سمح للجماعات الإرهابية من الإستحواذ على الفضاء الافتراضي الالكتروني لبث سمومهم الفكرية.

ختاما إن المعركة ضد الإرهاب رمزية ودلالية في جوهرها ودور الدين فيها حاسم ومفصلي ، لأن الاستقطاب الذي تقوم به الجماعات الارهابية في المجتمع  منطلقه ومسوغاته قائمة على التسخير باسم الدين وشعاراته وقد نبّه عباس محمود العقّاد في كتابه “التفكير فريضة اسلامية:إن الإسلام لا يقبل من مسلم  أن يلغي عقله خنوعا لمن يسخّره باسم الدين في غير ما يرضي العقل والدين .

فإن ما نراه اليوم من دمار هائل ناتج عن قصور في الخطاب الديني المستنير الذي فسح المجال للخطاب المتشدد تاركا وراءه دروبا من الوحل والمستنقعات .

 

 

[1] – محمد عزيز شكري ، الإرهاب الدولي ، ص 16

[2]  مجلّة مجمع الفقه الإسلامي الدولي ، الدورة الخامسة عشر ،الخطاب الإسلامي ومميزاته والتحديات التي تواجهه عمان 2004، قرار رقم 135 (1/15) ، ج 1 ، ص379.

[3] –  شهاب الدين القرافي ، الفرق 38 ، المسألة الثالثة ،ـ ج1 ،ص 188

[4]– سكوت هيبارد ، السياسة الدينية والدولة العلمانية ،ترجمة الأمير سامح كريم ، سلسلة دار المعرفة 2014 ، ص40.

 

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *