كيف نحمي تراثنا المخطوط ؟ مخطوطات تستور مثالا…بقلم الاستاذ زهير بن يوسف

كيف نحمي تراثنا المخطوط ؟ مخطوطات تستور مثالا…بقلم الاستاذ زهير بن يوسف

تونس- الزيتونة اون لاين :

 

بالإضافة إلى الرصيد الذي تتوفر عليه المكتبة الوطنية بتونس من تراثنا المخطوط فإنّ في خزائن عدد من المكتبات الخاصّة فضلا عن خزائن المساجد والزوايا رصيدا من المخطوطات متعدّدَ المواد يُداني رصيد دار الكتب الوطنية أو يضاهيه أو على الأقل يُكمّله ويُثريه، من ذلك مثلا المكتبة البارونية بجربـــــة ومكتبة آل ابن عاشور بالمرسى والمكتبة اللزّامية ببنزرت ومكتبة آل النيفر بالعاصمة، وهي مكتبات وإن ظلّت موجودة بمقرّات إقامة أصحابها فإنّها مُتاحة للعموم بل إنّ أرصدتها في معظمها قد تمّت فهرستُه بالتعــــــــاون مع المكتبة الوطنية، ومنه ما تمّ إخضاعه للتقنيات الحديثة.

صفحات من مخطوطات تونسية نادرة

مخطوطات خزائن مدينة تستور

في هذه الخزائن ما هو خاص كخزانة علي الجزيري الحمروني وخزانة الأخضر القرواشي
وخزانة محمد جهين وخزانة البخاري الوسلاتي وخزانة حسين مركيكو وخزانة حسين بن موسى …. ومن هذه الخزائن ما يعود إلى المساجد على غرار خزانة الجامع الكبير بتستور. ونظرا إلى ما لمخطوطات تستور من أهمية معرفية وحضارية      وتاريخية فقد عكف الباحث أحمد الحمروني على فهرستها منذ سنة 1977 وعمل على إتاحتها عند الطلب من خلال دار الكتب الوطنية.
ومن نفيس هذه المخطوطات ونادرها نذكر:

  1. صحيح البخاري في 20 سفرا، ( السفر 19)، مخطوط رقم 101 ،مكتبة الجامع الكبير، نس
    خه محمد بن محمد بَلنسين التَّغري سنة 1072/ 1661.
  2. صحيح البخاري في 20 سفرا، ( السفر 13)، مخطوط رقم 101 ،مكتبة الجامع الكبير، نسخه م
    حمد بن محمد التلمساني بتاريخ 1217/1802.
  3. كتاب الشفاء للقاضي عياض مخطوط رقم 102، مكتبة الجامع الكبير، نسخه محمد بن محمد كمونة القيرواني سنة1144/1731.
  4. رياض الأنس في حديث المصطفى، مخطوط رقم 402، مكتبة حسين بن موسى، حبّسه الحاج إبراهيم فضّول على جامــــــع رحيبة الأندلس سنة 1173/ 1759.

فنحن إذن إزاء رصيد من الوثائق لا يقدّر بثمن ذلك أنه لا يشكّل فقط جزءا من تراث تستور اللامادي وإنما هو ذاكرة المدينة ذاتها وذاكرة العائلات العلمية بها وذاكرة أعلامها مثل محمد بلنسين التغري نجل محمد تغارينو مؤســس الجامع الكبير عام 1630 والصغيّر صــــــــــاي مؤسس جامع النخلة سنة 1812 ، رصيد يقوم شاهدا حيّا على الإسهام المحلّي في تنشيط حركة البحث العلمي والمحافظة على التراث الوطني. ووعيا منها بأهميتها سعت الأجيال المتلاحقة منذ سنة 1072/1661على الأقل إلى ضمـــان عدم سرقتها أو إتلافها أو ضياعها أو التفويت فيها بأي وجه من الوجوه فاعتمدت على تحبيسها “حُبُسًا مُؤَبّدا” ليعود ريعُها على المـــدارس والجوامع كما هو شأن جامع الرحيبة ( أسس سنة1609) والجامع الكبير ( أسس سنة1630).

كيف نحمي تراثنا المخطوط ؟

إذا كان حفظ التراث المخطوط من اختصاص بعض المؤسسات العمومية مثل دار الكتب الوطنية ومؤسسة الأرشيف الوطني التونسي لتوفرها على ظروف الحفظ المناسبة للوثيقة المخطوطة مهما كان نوعها ولتوفرها على إمكانات إتاحتها للباحثين عند الطلب فإنّ ذلك لا يمنع من قيام شراكة بين هاتين المؤسستين العموميتين والمكتبات الخاصة ومكتبات المنشآت الدينية بهدف وضع أرصدتها على ذمّة البحث العلمي وإتاحتها للعموم وذلك بـضرورة:

* إخضاع هذا الأرصدة للتوثيق والفهرسة،

* إخضاعها للتقنيات الحديثة برقمنتها بمعنى أخذ نسخ منها لتعزيز الأرصدة الوطنية المركزية وترك أصولها في فضاءاتها الأصلية،

* اضطلاع وزارة الثقافة دون غيرها بالاطلاع على وضعية هذه الأرصدة من حيث توفر ظروف الحفظ وإمكانات الترميم والصيانة عن طريق المعهد الوطني للتراث والمخبر الوطني لصيانة وترميم الرقوق والمخطوطات بالقيروان باعتبار أنّ متابعة المخطوطات  وجمعَها وتنظيمَها وفقا للقواعد العلمية والفنية، والإشراف عليها من مهامه وحده باعتبار أنه هو وحده المخوّل للقيام بالإجــــراءات القانونية والإدارية للنظر في كيفية إنقاذها.

* إقامة شراكة بين دار الكتب الوطنية والمكتبة العتيقة بجامع تستور ومثيلاتها تقوم بمقتضاه دار الكتب بدور الوسيـــــــط لمن أراد الاستفادة من هذا الرصيد على عين المكان.

حادث وحديث

قد أعطت تستور لهذا الوطن ما لا يقلّ عن 3 مكتبات احتوت على أعزّ ما يطلب من مخطوطات هي مكتبة على الكوندي ( ت 1708 ) ومكتبة الشيخ إبراهيم الرياحي (ت 1850) ومكتبة سليمان مصطفى زبيس ( ت 2003)  وهي ما زالت قادرة على العطاء، وما ينطبق على خزائنها ينطبق على خزائن مدينة باجــة كالمكتبة القاسمية ومكتبة آل بن يوسف ومكتبة آل السعيّد، وعليه فإنّ ما حدث منذ مدة غير بعيدة من سعي إلى وضع اليد عليها من قبل إحدى الجهات الرسمية غير المخوّلة ما كان ينبغـــــــي له أن يحصل ولا ينبغي له أن يتكرر، وكل اطّلاع على المخطوط إنما يكون بالسعي إليه، ومخطوطات تستور كما عاينّاها وكما عاينها طلبة الإجازة التطبيقية  في حفظ  الموروث الثقافي المادي وترميمه بالمعهد العالي للحضارة الإسلامية خلال الزيارة الاستطلاعية التي أدوها إلى مكتبة الجامع العتيقة  خلال شهر نوفمبر 2016 على حالة غير حسنة من الصيانة، وظروف حفظها غير سليمة، وهي تستدعي المتابعة والإشراف على الحفاظ، وهذه المهام ليست من مشمولات أيّة وزارة ما عدا وزارة الثقافة، وإذا ما استدعت الضــــــرورة معالجة بعضها في المخابر المختصة، ونسخة الجامع الكبير النادرة والنفيسة من صحيح البخاري تستدعي معالجة فورية، فيتعين أن يتم ذلك عبر التسلسل الإداري.

علما أنّ وزارة الشؤون الدينيـــــــة لا سلطة لديها إلا على موارد الجامع البشرية أي إطاره الديني أمّا الجامع في حدّ ذاته وبوصفه معلما مرتّبا، فهو ومحتوياته ومُقتنياته من أنظار الوزارة ذات الصلة بالمحافظة على التراث: وزارة الثقافة ولا سبيل لأي كان أن يضع يده على هذه المخطوطات وغيرها.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *