خواطر وملاحظات نقدية حول تنظيم موسم الحج

خواطر وملاحظات نقدية حول تنظيم موسم الحج

تونس – الزيتونة اون لاين :

 بقلم الاستاذ عماد الورغي 

عندما يصبح موسم الحج موسم شد وجذب
” لبيك اللهم لبيك “

لئن كانت مواسم الحج قبل 14 جانفي 2011 لا تحظى إلا باهتمام فئة قليلة من التونسيين يترصدون ما يرد عنها من أخبار و يتلهفون لمشاهدة ما يبث – في النشرة الرئسية – من صور منقولة تظهر حجيجنا في ثيابهم البيضاء و هم مبتهجون يبدون رضاءهم و يباركون عمل القائمين على خدمتهم في تلك الرحلة الروحانية التي بذلوا من أجلها الغالي و النفيس و يدعون لمن عمل على تحقيق حلمهم في حج بيت الله الحرام ،فإنه و بعد ذلك التاريخ و انطلاقا من موسم2011 تغير المشهد كليا ، ليصبح خلال موسم الحج 2012 ، تحت دائرة ضوء ترصد كل تفصيلاته ليتحول في ظل الثورة إلى شأن عام يحظى باهتمام الجميع .
فأمسى موسم تجاذبات سياسية و ضرب المعارضة للخصوم السياسيين الماسكين بمقاليد السلطة في البلاد باعتبار أن تنظيم الحج هو من مشمولات الدولة التي تتحمل فيه المسؤلية كاملة و ذلك من خلال تلقف ما ترصده و تنشره صفحات مواقع التواصل اﻹجتماعي من إخلالات تحول دون الحجيج و دون راحتهم معتمدين في ذلك على ما تلبسه بعض وسائل اﻹعلام من مصداقية لأخبار تلك الصفحات متخذة إياها مصدرا لمعلومة تحول إلى خبر .
هذامن ناحية ..
و من ناحية أخرى
تميز بصراع خفي يدور في المكاتب بين وزارة الشؤون الدينية – كهيكل حكومي مشرف – و شركة الخدمات الوطنية و اﻹقامات ( منتزه قمرت سابقا ) – كمؤسسة عمومية قائمة على اﻷمور اللوجستية في عملية التنظيم ، حيث سعت الوزارة آنذاك إلى احتواء المشهد و تغيير منهجية التنظيم و جعل الشركة طرفا ثانويا ذا مهام محدودة شأنه شأن بقية اﻵطراف المتداخلة .
و قد بلغ هذا الصراع ذروته في البقاع المقدسة و تجلى ذلك من خلال اﻹرتباك الذي حصل على الميدان و أفرز خلافا بين المرافقين ( المؤطرين الجدد و القدامى ), ففريق بدا تابعا للوزارة مناديا بأن يكون الموسم موسم “حجة الوداع” بالنسبة لشركة الخدمات ( منتزه قمرت ) -إشارة إلى إنهاء دورها بسحب البساط من تحت قدميها – آملا في إنشاء ” ديوان حج ” ينهي نشاطها ، و فريق تابع للشركة أبدى استياءه من قلة خبرة المرافقين الجدد و جهلهم بطرق العمل و معرفة الميدان مما أثر على أدائهم ( كأصحاب خبرة واسعة )و قوض شرعية وجودهم بإقصائهم و تغييبهم عمدا في عملية احتواء للمشهد.
و قد سمع رجع صدى ذلك الموسم -2012- في رئاسة الجمهورية التي سعت إلى احتواء اﻷزمة مطمئنة شركةالخدمات و مباركة لجهودها و رافضة لأي مقترح يغير من صبغة التنظيم أو من هياكله .
و بداية من موسم -2013 – تغير مشهد الصراع ( و تأكد هذا التغير في موسم 2014 ) ليتحول من الدائرة الرسمية ( الوزارة من جهة و شركة الخدمات من جهة ) إلى دائرة المجتمع المدني الممثل في بعض الجمعيات الناشطة التي غاب بعضها ليبرز بعضها في نشاط متواصل إلى اليوم ،قاطرته ” جمعية رعاية ضيوف الرحمان ” المعتمدة على خبرة فريقها و معرفته بظروف الحج و بطبيعته الميدانية .
و قد برزت هذه الجمعية في بادئ اﻷمر كمدافع عن مصلحة الحاج التونسي ، ليحولها نشاطها -المنظم – في مرحلة ثانية إلى قوة اقتراح يسمع صوتها في وزارة الشؤون الدينية ثم بعدها إلى طرف فاعل – غير معلن – يفرض نفسه في مواسم الحج من خلال متابعاتها الميدانية التي سخرت لها من يرصد الواقع فيترصد اﻹخلالات و يوثقها و يعمل على كشفها للرأي العام عبر اﻹعلام الذي كسبت ثقته – عن جدارة -.
هذا و قد أصبح اﻵن واضحا أمام كل الملاحظين أن طموح الجمعية بات معلنا – و إن كان باحتشام – لأن تكون طرفا رسميا في التنظيم،بعد أن صار صليل مقارعتها لشركة الخدمات الوطنية و اﻹقامات يسمع مع بداية كل موسم من المواسم .
و رجوعا إلى هذا الموسم،فقد انطلق السجال المفروض من الجمعية المذكورة على الشركة العمومية،منذ أن أعلن رسما عن إمضاء الوثيقة التوجيهية للحج، حيث لم تتأخر جمعية رعاية ضيوف الرحمان في الهجوم معتبرة أن ما جاء فيها لا يتوافق مع ما ورد في العقود الممضاة بين الطرف التونسي و الطرف السعودي – خاصة في ما يتعلق بمسألة السكن و تصنيفه ، و المسافة الفاصلة بين النزل و الحرم المكي ، التي رأت أنها لم تراعي سن الحاج التونسي و قدرته الصحية،و عقدت في ذلك ندوة صحفية معلنة فيها على لسان رئيسها اﻷستاذ عادل الناصفي اعتزامها القيام بدعوى قضائية ضد شركة الخدمات لمخالفتها لما جاء في الوثيقة التوجيهية.
و من جهة أخرى،تفاعلت الشركة مع تحرك الجمعية المشار إليها لتفند ادعاءها ، مذكرة بحرصها على مصلحة أفراد بعثة الحجيح التونسية دون تمييز بينهم ، مشيرة إلى أن ما اعتمدته الجمعية كحجة واردة في الوثيقة التوجيهية ، إنما هو بنود تم تغييرها و اعتمدتها النسخة النهائية ، و أن على الجمعية الرجوع إلى الوثيقة اﻷصل الممضاة بعد المصادقة عليها.
كما أشادت الشركة على لسان السيد غسان العليوي مدير إدارة الحج و العمرة بمجهود المتداخلين في عملية الحج و بحرص الشركة على الضغط على التعريفة بإمضائها للعقود بسعر صرف الدينار المعتمد في أواسط شهر مارس 2017 ، و اعتبرت أن التسعيرة مثالية ، مقارنة بارتفاعها لدى معظم البلدان و ضرب العليوي مثلا بمصر التي شهدت قيمة إرتفاع تسعيرة الحج فيها ما يناهز 84%.

هذا و تواصل السجال مع البداية الفعلية لهذا الموسم ، و بلغ حدته مباشرة بعد نفرة الحجيج من عرفات إلى منى عبر مزدلفة ، لتقف الجمعية على ما اعتبرته إهانة للحاج التونسي منتقدة التصريحات الرسمية للبعثة واصفة إياها بسياسة ” العصافير تزقزق ” في سعي ذكي لجر مسؤولي البعثة إلى مربع صراع مباشر، تديره جمعية رعاية ضيوف الرحمان بذكاء مستغلة في ذلك اﻷبواب المفتوحة لها من طرف وسائل اﻹعلام المختلفة .
( يتبع)

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *