واقعية المنهج الكلامي ودورها في مواجهة التحديات الفلسفية المعاصرة

واقعية المنهج الكلامي ودورها في مواجهة التحديات الفلسفية المعاصرة

تونس- الزيتونة اون لاين :

 بقلم د.عبد المجيد النجار:

 

يوجه النقد الشديد إلى الفكر الكلامي فيما جنح إليه من إيغال في التجريد عند معالجته للقضايا العَقَدية التي كانت قواما له, وما يتصل بها من قضايا طبيعية وفلسفية استخدمت في تلك المعالجة, وقد عد بهذا التجريد فكراً عقيماً في مواجهة المشكلات الأيديولوجية الفلسفية التي تجابه المسلمين منذ بداية نهضتهم الحديثة,

إذ أن هذه المشكلات متأتية من الواقع الجديد الذي طرأ على حياتهم إثر اتصالتهم بالحضارة الغربية, بينما يسبح هذا الفكر في فضاء من مشكلات ماضية لم تكن على صلة وطيدة بواقع المسلمين على عهد نشأتها بله أن تكون كذلك بالنسبة لواقعهم الراهن. ولهذا السبب اتخذ هذا الفكر الكلامي مهجورا من قبل أكثر المهتمين بالمشكلات الثقافية الأيديولوجية للمسلمين على هذا العهد, بل اتخذ هزواً أحياناً, وذلك باعتبار أنه لا يصلح أداة للدفع في سبيل النهضة الثقافية الإسلامية.

     والحقيقة أن هذا الموقف من الفكر الكلامي انبنى في الحكم عليه من تقويم سطحي اقتصر على الصورة التي انتهى إليها هذا الفكر لما آل إلى الضعف والجمود شأن الفكر الإسلامي عموماً, وهي الصورة التي آلت إلى أجيال هذا القرن عبر الثقافة الموروثة في عهد الانحطاط, تغافلا في ذلك عن الطور الذي كان فيه الفكر الكلامي حيا فعالا في مواجهة مشاكل حقيقية ألمت بالمسلمين في حياتهم الثقافية العَقدية, وهو ما فوت على الفكر الإسلامي المعاصر فرصة الاستفادة من الدور المهم الذي قام به الفكر الكلامي في ذلك الطور متمثلاً في صد الغزو الفكري والعَقَدي التي تعرضت له العقيدة الإسلامية ابتداءاً من أواخر القرن الأول وتوطيد أيديولوجية إسلامية متينة ثابتة.

     إن الصورة التي وصل عليها علم الكلام إلينا هي صورة مدرسية بدأت في التكون عندما توقف هذا العلم عن النمو بعد القرن الرابع, فحينئذ أخذت القضايا الكلامية بالتقرير والترتيب وَفق تصور عقلي لمنطقية مجردة في الترابط بينها, فنُسِّق علم الكلام على الوضع الذي دون به في كتب ما بعد القرن الخامس وجردت مسائله من ملابساتها الواقعية المتمثلة في النوازل والأحداث التي منها كان ظهورها, وحررت بأسلوب تقريري جاف لا أثر فيه للسياق الواقعي الذي نشأت فيه.

     أما قبل ذلك التاريخ فإن علم الكلام منذ نشأته لم يكن على هذه الصورة, بل كان حركة نشيطة من الحوار والتدافع بين العقيدة الإسلامية في مصادرها النَّصية من جهة وبين ما جرى في واقع المسلمين من توترات بين المثال الإسلامي ومجريات الأحداث السياسية والاجتماعية, وما هجم من مقولات الأديان والثقافات القديمة من جهة أخرى. وقد كان هذا التدافع جدلا حيا يبني فيه الفكرُ الأيديولوجية الإسلامية بحسب ما تقضيه التحديات الواقعية أحداثاً ومقولات, فيؤسس الرؤية الإسلامية بالحجة العقلية المستندة إلى الوحي, ويصد غازيات الأقاويل بتزييفها بالحجة العقلية أيضاً.

     ولذلك فإنه من المهم أن يقع درس علم الكلام وهو في طوره الأول المتصف بالحيوية والواقعية لتبين المنهجية المجدية التي كان يتبعها لمعالجة ما يطرأ من مشكلات في واقع المسلمين معالجة عقدية, فإن الوقوف على هذه المنهجية في خاصيتها الواقعية مدخل أساسي لتقويم علم الكلام في مدى ما أسهم به في تثبيت أيديولوجية إسلامية حفظت المسار الحضاري العام وفق متطلبات الوحي, كما أنه مدخل للأستفادة منه في ترشيد الفكر الإسلامي اليوم وهو ينزع إلى صياغة أيديولوجية شاملة متأسسه على عقيدة الإسلام وتراثه, توجه الحياة الإسلامية إلى صراط الوحي ضمن واقع عالمي متداخل . وهذا ما سنحاول بيانه من خلال العناصر التالية: 

واقعية المنهج الكلامي قبل القرن الخامس:

      نقصد بالواقعية في منهجية الفكر الكلامي ما كان لهذا الفكر في بنيته وموضوعه وأساليبه من صلة بالمشاكل الطارئة في حياة المسلمين فكريا وسلوكيا, وبهذا المعنى فإن الفكر الكلامي ظل طيلة أربعة قرون بعد نشأته في أوائل القرن الثاني فكراً واقعياً شديد الواقعية. إذ تعتبر قضاياه – كما سنبينه بعد حين – ناشئة من أحداث ونوازل طرأت على المجتمع الإسلامي بسبب ثقافي أو سياسي أو اجتماعي, وأحدثت به توتراً على نحواً أو آخر باعتبار ما اتخذ هذا المجتمع لنفسه من مرجعية شاملة هي مرجعية الوحي الديني, فنشأت القضايا الكلامية تعالج ذلك التوتر في حياة المسلمين, وتهدف إلى توجيه الحياة بحسب ما يلائم مرجعية الوحي.

      وقبل أن نفصل مظاهر الواقعية, من النهم أن نشير إلى أصلين يتعلقان بطبيعة الدين الإسلامي كان لهما أثر بين في صفة الواقعية التي اتصف بها الفكر الكلامي من حيث إنه فكر استحدث للحفاظ على أصول هذا الدين وهي الأصول العقدية التي تتفرع منها سائر فروع الأحكام والتعاليم الأخرى.

     الأول هو الترابط الشامل في الدين الإسلامي بين حقيقة العقيدة وجمع مظاهر السلوك الفردي والاجتماعي, وهو ترابط يجعل هذه المظاهر لا تعدو أن تكون وجها عمليا لحقيقة العقيدة, حتى إن كثيراً من المسلمين اعتبروا تعطيل السلوك – متمثلاً فيما عرف بارتكاب الكبائر – ناقضا لأصل الإيمان بالعقيدة, مخرجا من الدين أساسا. وهذه الطبيعة للصلة بين العقيدة والسلوك تجعل النظر لمعالجة السلوك من حيث انحرافه عن تعاليم الوحي يمتد إلى النظر في أصله العَقَدي, وهو ما يؤدي بل قد أدى بالفعل إلى أن كثيراً من القضايا العقدية التي عالجها الفكر الكلامي كان منطلقها واقع السلوك في المجتمع الإسلامي كما سنبينه بعد حين مما كان له مدخل كبير في اتصاف هذا الفكر بالواقعية.

     والثاني وضوح العقيدة الإسلامية وبساطتها مما لم يستلزم قيام فكر عَقَدي شرحي مثلما هو الأمر بالنسبة لعلم اللاهوت المسيحي الذي انطبع بطابع شرحي في سبيل تبرير تعقيدات المسيحية وغموضها (1), وإنما قام علم الكلام الإسلامي لغاية دفاعية إثباتاً للعقيدة الإسلامية وردا للشبه الوارده عليها كما يعكس ذلك التعريف الذي تناقله العلماء لهذا العلم مع أنه “علم بأمور يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير وإلزامه إياها بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها” (2). وهذه الغاية الدفاعية استلزمت أن يكون الفكر الكلامي مترصداً لما يفرزه الواقع الثقافي مما فيه مجانبة للعقيدة الإسلامية فيكون مدافعاً له, وهو ما يجعله فكراً متصلاً بالواقع الجاري, فانطبع بصفة الواقعية في مناهضات التحديات الخارجية, كما انطبع بالواقعية في معالجة السلوك المنحرف عن الدين الناجم في المجتمع الإسلامي كما ذكرناه آنفا. وإنه ليمكن تبين واقعية الفكر الكلامي في المظاهر التالية على وجه الخصوص.

1 – واقعية النشأة والتطور:

     ظهر الفكر الكلامي ليكون متميزا متقوما بالاحتجاج للعقيدة أوائل القرن الثاني على يد المعتزلة, وإن كانت المطارحة العقلية في مسائل ذات صبغة عقدية ظهرت قبل ذلك بنصف قرن, حينما وقع التداول في “مرتكب الكبيرة” وفي “القدر” مما يمكن أن يعتبر إرهاصا مبكراً للفكر الكلامي.

     ولم تكن هذا النشأة إلا استجابة لضرورات واقعية ملحة تمثلت في مشكلات سياسية واجتماعية نجمت في حياة المسلمين, وباتت تهدد باستفحالها المطرد البناء الديني الذي قام عليه المجتمع الإسلامي, كما تمثلت في تحديات دينية وفلسفية من أهل الأديان والفلسفات القديمة باتت تروج بين المسلمين وتهدد بنية العقيدة الإسلامية. فهذه المشكلات والتحديات دفعت الفكر الإسلامي في سبيل الدفاع عن مرجعيته العقدية إلى أن يتجه إلى معالجتها معالجة كلامية, فكانت نشأة علم الكلام على يد المعتزلة بمنزلة الاستجابة لتحديات ناجمة من صميم واقع المسلمين.

     وإذا كنا سنتعرض بعد حين إلى شرح أمثلة للتناسب بين القضايا الكلامية ومنابتها الواقعية, فإننا في هذا الموطن نود أن ندعم واقعية النشأة بحادثة لها دلالة عميقة في هذا الشأن, وهي الحادثة التي تناقلتها كتب الفرق الإسلامية على أنها تمثل المنطلق الأول لنشأة فرقة المعتزلة. وإذا كنا نعتبر أن الجذور الأساسية لنشأة هذه الفرقة بأسبابها إلى ما هو أعمق من هذه الحادثة(3), إلا أنه يمكن حسبانها النقطة الأخيرة التي لخصت تلك الأسباب الماضية, وأفاضت الكأس, فأفرزت تيارا فكريا متميزا هو التيار الاعتزالي الذي يمثل نشأة علم الكلام. ومن ثم اعتبرناها ذات دلالة عميقة في هذه النشأة من حيث صلتها بالواقع.

     وهذه الحادثة كما رواها الشهرستاني هي أنه: “دخل واحد على الحسن البصري فقال له: يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة, وهم وعيدبة الخوارج. وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر, والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان .. وهم مرجئة الأمة, فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا؟ فتفكر الحسن في ذلك, وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافرً مطلقاً, بل هو منزلة بين المنزلتين, لا مؤمن ولا كافر, ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن, فقال الحسن: اعتزل عنا واصل, فسمي هو وأصحابه معتزلة” (4).

     ويبدو من هذه الحادثة أن نشوء المعتزلة وهو نفسه نشوء الفكر الكلامي كان بسبب حل مشكلة عملية تتعلق بتحديد حقيقة الإيمان, وتعيين منزلة مرتكب الكبيرة منه, وقد كان هذا الأمر منشأ لفتنة كبيرة في المجتمع الإسلامي اتخذت لها وجهتين: التزرع بالإرجاء في إتيان الآثام والمعاصي حيث لا تضر مع الإيمان معصية, والتذرع بتكفير المذنبين لإعمال القتل فيهم كما فعل الأزارقة من الخوارج. وقد ربط البغدادي بين هذا الواقع وخروج واصل ابن عطاء بقوله بالمنزلة بين المنزلتين ربطا سببيا حيث يقول: “فلما ظهرت فتنة الأزارقة بالبصرة والأهواز واختلف الناس عند ذلك في أصحاب الذنوب على الوجوه الخمسة التي ذكرناها خرج واصل بن عطاء عن قول جميع الفرق المتقدمة وزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر, وجعل الفسق منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان” (5). وبذلك يتأكد أن ظهور علم الكلام متمثلا في الاعتزال كان معالجة تنظيرية عقدية لمشاكل واقعية سياسية واجتماعية (6).

     وكما كان الفكر الكلامي واقعيا في نشأته فقد كان أيضاً واقعياً في تطوره, فقد كان تناميه في الموضوع وفي المنهج محكوما بمقتضيات الأحوال الاجتماعية والثقافية. كما كان ترتيب مسائله في الظهور بحسب ذلك أيضاً, وهو ما تعكسه الكتب العقدية الأولى التي وصلتنا رغم أنها تعود إلى القرن الثالث مثل مؤلفات الأشعري والماتريدي, فقد كانت المسائل تعرض فيها عرضا أقرب إلى نسقها التاريخي, وليس الترتيب الذي نجده في الكتب المتأخرة بعد القرن الخامس إلا صنعة عقلية منطقية لنظم المحصول الكلامي في سياق مدرسي.

     وإذا أردنا التمثيل لذلك فإننا نجد أول المسائل الكلامية ظهوراً هي تلك المسائل ذات الصلة الوطيدة بالواقع الاجتماعي, وعلى رأس هذه المسائل مسألتا الفعل الإنساني ومرتكب الكبيرة, فقد كانت لهما جذور في إحداث الفتنة منتصف القرن الأول, ثم آل البحث فيهما إلى التنظير العقدي أواخر القرن من قبل القدرية والمرجئة والخوارج لتصبحا النواة الأولى في الفكر الكلامي لدى المعتزلة.

      ومسألة الألوهية المتقومة بما عرف بقضية “الذات والصفات” لم ينشأ البحث فيها إلا في القرن الثاني حينما طرحها واصل بن عطاء طرحا غير نضيج كما وصفه الشهرستاني, وإنما اصبحت مسألة مهمة في المداولة مع أواخر القرن الثاني مع إبراهيم النظام وأبي الهذيل العلاف المعتزليين. وكان نشوؤها متأخراً نسبيا بسبب أن القرن الأول لم يظهر فيه التحدي لعقيدة الأولوهية في المنظور الإسلامي مثلما ظهر في القرن الثاني متمثلا في عمل اليهود على نشر تجسيمهم والنصارى على إشاعة تثليثهم, والمجوس على تسريب ثنائيهم. 

     وقد كانت قضية النبوة أكثر تأخراً في ظهورها كقضية كلامية, وذلك لأن التحدي الوارد فيها إنما جاء من أصحاب ديانات الهند في الأكثر, وخاصة السمنية والبراهمية, ولم يكن لهذه الأديان رواج طاهر بالبلاد الإسلامية إلا أواخر القرن الثاني, إذا إن ” .. محيي بن خالد البرمكي (ت 190 ه) بعث برجل إلى الهند ليأتيه بعقاقير موجودة ببلادهم, وأن يكتب له أديانهم في كتاب, فكتب له هذا الكتاب “(7), ولذلك فإن القرن الثالث شهد البحث المستفيض في قضية النبوة من قبل المتكلمين دفعاً لما روجه منكرو النبوة وبخاصة منهم ابن الروندي (298 ه) وأبو بكر الرازي (311 ه).

      والمسائل الطبيعة التي أصبحت جزءا من الفكر الكلامي لم ينشأ البحث فيها إلا حينما تفشت الفلسفة اليونانية في المجال الثقافي الإسلامي من قبل الفلاسفة الإسلاميين وبخاصة الفارابي (ت 339 ه) , فحينئذ أصبح علماء العقيدة يبحثون المسائل الطبيعة لاستخدامها مقدمات في إثبات العقيدة ردا على المقولات الفلسفية اليونانية المخالفة للعقيدة الإسلامية. وهكذا يبدو أن الفكر الكلامي كان ينمو ويتطور بالمعالجة المستجدة لما يطرأ من مشكلات واقعية بتنظير عقدي, ولم يكن متولدا من فكر فلسفي مجرد.

2 – واقعية الموضوع:

     نعني بها أن الموضوعات التي بحثها الفكر الكلامي كانت موضوعات ذات صلة متينة بما يجري في واقع الحياة الإسلامية, وليس شأنها في ذلك شأن الموضوعات الفلسفية التي كانت تطرح على المنهج اليوناني, فليس ثَمَّ مسألة من المسائل الكلامية إلا تمثل رد فعل دفاعيا على حادثة ناشبة في الحياة الاجتماعية تخل بأغراض الدين فيها, أو مقولة طارئة من أهل المذاهب والأديان تنال بصفة مباشرة من العقيدة الإسلامية, ولا يند عن ذلك ما يبدو لنا اليوم من مسائل موغلة في التجريد لا تمت للواقع بصلة.

      ولو أردنا تأييد ذلك ببعض الشواهد من المسائل الكلامية التي تبدو أكثر تجريداً من غيرها لرأينا على سبيل المثال أن قضية الفعل الإنساني بين الحرية والجبرية قد أصبحت قضية كلامية لما تفشى في المجتمع الإسلامي أواخر القرن الأول من التعلل بالقدر المقدور في إتيان المعاصي واقتراف الآثام من قبل كثير من المتحللين من قيود الشريعة, وهو ما جاء يشكوه أحد المخلصين من المسلمين لعبد الله بن عمر قائلاً: ” ظهر في زماننا رجال يزنون ويسرقون, ويشربون الخمر التي حرم الله, ثم يحتجون علينا ويقولون: كان ذلك في علم الله” (8). وكذلك لما أصبح بعض حكام بني أمية يتعللون بالقدر في تبرير ظلمهم وبغيهم على الناس, مثلما ذكر من أنه لما قُتل عمرو بن سعيد بن العاص على عهد الملك بن مروان طرحت رأسه من أعلى القصر بين يدي جمع من أصحابه كانوا يترقبونه, وقال الذي طرحها للمترقبين: إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ(9) . فهذه الظاهرة الخطيرة في سلوك الناس نشأت لمعالجتها مسألة ” الفعل الإنساني” متمثلة في القول بحرية الإنسان في فعله ومسؤوليته عليه, وهو ما ابتدأه القدرية الأوائل : معبد الجهني, وغيلان الدمشقي, ثم طوره المعتزلة فأصبح أصلا من أصولهم الخمسة سموه بأصل العدل.

     ولو انتقلنا إلى قضيتي الذات والصفات, وخلق القرآن, لوجدنا أنهما على ما يبدو في الظاهر من افتقادهما للمبرر الواقعي فقد كان البحث فيهما ردا على محاولات مسيحية ومجوسية كانت غايتها التشويش على التوحيد الإسلامي الخالص, وصولا إلى ضرب من التعددية التي قد تؤول به بمرور الزمن إلى عقيدة تعدد الإله.

     فقد كان المسيحيون يثبتون لله الأقانيم الثلاثة, وهي صفات الوجود والحياة والعلم, التي تجسدت فأصبحت آلهة ثلاثة: الأب والأبن والروح القدس, وكانوا يجادلون لهذه المقولة في المجتمع الإسلامي, يرومون منها تحريف التوحيد إلى التثليث بتجسيد الصفات الإلهية, وهو ما حدا بالمعتزلة – خوفاً من هذا الخطر – إلى القول بأن صفات الله هي عين ذاته وليست زائدة عنها قطعاً في ذلك لإمكانية أن تجسد آلهة كما يرد المسيحيون, ومن ثم كان مبحث الذات والصفات.

     وفي السياق نفسه أيضاً كان المسيحيون يشجعون القول بقدم القرآن كلام الله لغاية هي الميل بعقيدة التوحيد إلى نوع من تجسيد كلام الله في مظهر مادي كما تجسدت كلمة الله في المسيح. وقد ذكر ابن النديم في هذا أن العباس البغوي قال: ” دخلنا على قثيون النصراني, وكان في دار الروم بالجانب الغربي فجرى الحديث إلى أن سألته عن ابن كلاب, فقال: رحم الله عبد الله, كان يجيئني فيجلس إلى تلك الزاوية, وعني أخذ هذا القول (إن كلام الله هو الله), ولو عاش لنصَّرنا المسلمين(10). وبسبب خوف المعتزلة من أن يؤول القرآن إلى إله بصفة القدم طرحوا بشدة لا تخلو من المبالغة القول بخلق القرآن باعتبار أن ذلك القول يعصم من كل تعدد في هذا المجال. وقد كان المأمون وهو المعتزلي يكتب إلى عماله منبهاً إلى هذا الأمر حيث جاء في إحدى رسائله التي حررها وزيره أحمد بن أبي داود: ” ومما بينه أمير المؤمنين برويته وطالعه بفكره, فتبين عظيم خطره, ما ينال المسلمون من القول في القرآن … واشتباهه على كثير منهم حتى حسن عندهم وتزين في عقولهم ألا يكون مخلوقا .. وضاهوا به قول النصارى في ادعائهم في عيسى ابن مريم أنه ليس بمخلوق إذا كان كلمة الله” (11).

     وهكذا يبدو أن موضوعات الفكر الكلامي مهما بدت في ظاهرها عقلية مجردة فإنها في حقيقة نشأتها, وفي صيرورتها طيلة قرون ثلاثة على الأقل كانت تعالج مشاكل واقعية حية تروم حلها على أساس عقدي بقطع النظر عما حف بتلك المعالجة من ملابسات, وعما شابها أحيانا من مغالاة وشطط.

3 – واقعية المنهج:

     كما كان الفكر الكلامي واقعيا في نشأته وتطوره وموضوعه, كان أيضاً واقعياً في منهجه, فقد كان يستعمل الأساليب الاستدلالية التي تناسب التحديات المطروحة, ويطور من تلك الأساليب بحسب تطور التحديات.

     وقد كان الاستدلال النقلي أول الأساليب التي استعملت في الفكر الكلامي حيث يتخذ من نصوص القرآن والحديث شواهد على الآراء العقدية في الحوار الدائر بين الفرق الإسلامية, تأصيلا لهذه الآراء في أصول الوحي بطريق التأويل, أو ردا للشواهد المخالفة لها بطريق النقد لما هو ضعيف منها أو منحول. وقد ظل هذا الاستدلال النقلي مواكبا للفكر الكلامي طيلة مسيرته في الحوار الداخلي بين المسلمين (12).

     ولما نجمت تحديات أهل الأديان والمذاهب في القرن الثاني نشأ لدى المتكلمين الأسلوب العقلي في الاحتجاج, ذلك أن هذه التحديات كان أهلها من النصارى والمجوس متمرسين بالفلسفة اليونانية ومنطقها الصوري, فاستخدموا أليات هذه الفلسفة للاحتجاج نصرة لمعتقداتهم ونقدا للعقيدة الإسلامية, ولذلك بادر المعتزلة باستعمال الحجة العقلية في مقابلة هذا التحدي, وأصبح هذا الأسلوب هو الأسلوب الغالب على الفكر الكلامي.

     ولما استفلحت الفلسفة اليونانية في الساحة الإسلامية في القرن الثالث وانتشرت مقولاتها مختلطا فيها المسائل الميتافيزيقية بالمسائل الطبيعية في تفاعل تناصري بين النوعين, طور الفكر الكلامي من منهجه فأدخل في دائرة اهتمامه المسائل الفلسفية والطبيعية مثل قضايا العلة والمعلول والجوهر العرض والجوهر الفرد وأمثالها, واستخدمها مقدمات في الاستدلال على العقيدة الإسلامية ورد الشبهه الواردة عليها, وأصبح ذلك سنة ماضية في هذا الفكر منذ أبي الهذيل العلاف (ت 235 ه) كما يبدو في مدونات علم الكلام بعد القرن الثالث (13) .

     لقد ظلت هذه الواقعية الحية صفة للفكر الكلامي يعالج من خلالها حادثات المشاكل الاجتماعية والثقافية في المجتمع الإسلامي, ويحقق في ذلك نتائج هامة في المحافظة على المرجعية العقدية للحياة الإسلامية, حتى قيل: إنه لولا هذا الفكر بواقعيته لكان مصير العقيدة الإسلامية عرضه لانحرافات جمة نظراً إلى شدة الهجمة التي تعرضت لها جهرة وخفاء من قبل الأديان والثقافات والفلسفات القديمة.

     ولكن الانحدار العام الذي أصاب الفكر الإسلامي أصاب أيضاً الفكر الكلامي, فأصبح ينزع منزع التجريد الذي ينشغل به عن مجريات الوقائع المتعلقة بالأصول العقدية بصفة مباشرة أو غير مباشرة بمجادلات نظرية في المسائل القديمة, واحتجاجات تتعلق بتحديات ماضية, وميل إلى التأليف والترتيب للآراء والمقولات السابقة في نسق منطقي مدرسي, حتى إنه ليمكن القول بأن الصلة كادت تُفقد بين هذا الفكر وواقع المسلمين الذي لم يخل في أي عصر من تحديات داخلية وخارجية تهدد مرجعيته العقدية على خلاف ما توهمه ابن خلدون في نقده للفكر الكلامي حينما قال: ” علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم, إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا, والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا, والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا, وأما الآن فلم يبق منها إلا كلام تنزه الباري عن كثير من إيهاماته وإطلاقه” (14).  

     وإنه لمن العجيب من ابن خلدون وهو المؤرخ للعلوم في مقدمته أن يحكم على دور الفكر الكلامي بالانتهاء من خلال ما آل إليه من وضع الجمود, دون أن ينتبه إلى أن الواقع الجاري يستلزم إحياء ذلك الفكر ليستأنف المواجهة الحقيقية بالمناهج الملائمة لمستجدات التحديات, ولم يكن العصر الذي عاش فيه خلوا منها, بل كان المد المسيحي مستفحلا بالأندلس, والمد الصوفي الباطني مستفحلا بالمشرق, إضافة إلى الأمراض الداخلية التي كانت تعاني منها الأمة الإسلامية, والتي تَمُتُ بصلة قوية لأصول العقيدة, مثل التواكل وبعض مظاهر الشرك وأمثالها من الأمراض.

نحو بعث للواقعية الكلامية:

     إن السيرة التي عرضناها آنفا للفكر الكلامي في واقعيته الفاعلة في حل مشكلات المسلمين يمكن الاستفادة منها أيما استفادة في بعث واقعية جديدة في هذا الفكر يستأنف بها دوره الحيوي في علاج مشكلات المسلمين الراهنة ذات الصلة بالمرجعية العقدية. والحقيقة أن محاولات جادة في هذا الخصوص ظهرت بوادرها منذ عهد الإمام محمد عبده حينما كتب في العقيدة رسالته الصغيرة “رسالة التوحيد” بمنهج جديد في بداية تخلص من منهج الجمود في عهود الانحطاط, ثم توالت بعد ذلك المحاولات في هذا الشأن كما تبدو في كتابات الإمام حسن البنا, وأبي الأعلى المودودي, ومحمد المبارك, ومالك بن نبي, ومحمد باقر الصدر, ووحيد الدين خان, حتى توفرت بكتابات هؤلاء وأمثالهم جملة صالحة تنير السبيل لمنهج كلامي جديد يتصف بالواقعية, إلا ان الأمر يحتاج مع هذه البوادر العملية إلى رسم ملامح لخطة نظرية لبعث واقعية الفكر الكلامي تستهدي بها الجهود العملية المبذولة من قبل المفكرين الإسلاميين في هذا المجال.

     ومن البين بذاته أن رسم خطة منهجية عملية للفكر الكلامي لمعالجة مشكلات المسلمين الراهنة يستلزم أول ما يستلزم الوعي الدقيق بالمشكلات الراهنة التي يراد من الفكر الكلامي معالجتها, والوعي الدقيق بطبيعة العقلية السائدة لمعرفة مداخلها التي يمكن منها التأثير للإصلاح والتقويم. وعلى أساس هذا الوعي بالواقع تقترح خطة منهجية للفكر الكلامي تكون مواتية لذلك مؤثرة فيه. وهو ما سنحاول القيام به تاليا

1 – المشاكل العقدية في الواقع الإسلامي:

     المطلوب من الفكر العقدي أن يعالج المشاكل التي تحدث في الأمة متعلقة بالأسس العقدية العامة دون الفروع الجزئية من التطبيقات السلوكية التي تهتم بها ألوان أخرى من الفكر, ومن ثم تكون مهمته ذات طابع أصولي كلي. وذلك هو المبرر الذي يدرج به ضمن الفكر الفلسفي بالمعنى العام.

     والمتأمل في الوضع العقدي الراهن للمسلمين يجد أن المشاكل التي تنتابه ترجع في معرض تنوعها وتعددها إلى مشكلتين رئيسيتين تولدتا من عهد الانحطاط الذي تجمد فيه الفكر الإسلامي وانفصل عن مجريات الواقع, ومن التحدي الثقافي الحضاري الغربي الذي واجه الأمة الإسلامية منذ قرنين من الزمن.

     أما المشكلة الأولى فهي الانفصال أو شبه الانفصال الذي وقع بين المرجعية العقدية وبين المظاهر التطبيقية في مختلف وجوه الحياة. فالدين الإسلامي هو عقيدة تتفرع عنها شريعة تشمل كل أوجه التصرف الإنساني بحيث يكون كل حكم من أحكام السلوك متفرعا عن أصل من أصول العقيدة التي ستجمعها حقائق أساسية ثلاث: الألوهية والنبوة والبعث بحيث يكون كل منشط من مناشط المسلم, وكل اجتهاد من اجتهاداته في شئون الحياة مستمدا من أصول العقيدة, جاريا بحسب مقتضياتها.

     ولكن مجريات الواقع الإسلامي خلال عهد التراجع الحضاري أفضت إلى تراخ في الصلة بين أصول العقيدة ومناشط الحياة المختلفة, فلم تعد مظاهر السلوك المختلفة تندفع في تلقائية ووضوح من مرجعيتها العقدية, وغدت حقائق العقيدة تشبه أن تكون تصديقات ذهنية غايتها في ذاتها, وضعف الشعور بغايتها السلوكية. وقد أدى هذا الوضع إلى ما يشبه الانفصال بين الاجتهادات الفرعية ومرجعيتها العقدية. وخذ إليك مثلا في ذلك حقيقة التوحيد التي كانت في عهود الازدهار الإسلامي تطبع حياة المسلمين كلها تشريعا وآدابا وفنونا وعمارة, ثم أصبحت بعد ذلك منحسرة في أذهان المسلمين إلى بعد واحد تجريدي هو وحدانية الذات الإلهية, وتقلص أثرها في مناحي الحياة العملية.

     وقد استفحل هذا الوضع لما انفتح المسلمون على الحضارة الغربية بمنجزاتها الباهرة, وجعلوا يقتبسون منها ويقلدون فيها خبط عشواء على غير هدى من مرجعية عقلية ترشد ذلك الاقتباس, وتجعله في إطار من الدين, وقد ظهر ذلك فيما اقتبس المسلمون من آداب وفنون وعلوم إنسانية وطرز عمرانية, حتى إنه ليمكن القول بأن الواقع الإسلامي اليوم يجري على غير هدى عقدي, ويصدر على غير قاعدة أيديولوجية إسلامية واضحة.

     وأما المشكلة الثانية فهي الغزو الأيديولوجي الغربي الذي استهدف منذ زمن العقيدة الإسلامية أساسا, ومظاهرها السلوكية في مختلف مظاهر الحياة. وقد كان هذا الغزو الأيديولوجي شبيها بالغزو الأيديولوجي الذي حدث في هذا القرن الثاني من قبل أهل المذاهب والأديان إلا أنه صادف من المسلمين ضعفا حضاريا وفكريا, واستعدى عليهم بمنجزات العلم, وقوة الحضارة فإذا به غزو شامل للمنظومة الإسلامية كلها, تُسخر فيه الفلسفة والعلم والإعلام جميعاً, بل والتكنولوجيا المادية أيضاً.

     وقد أحدث هذا الغزو الأيديولوجي أثره البين في حياة المسلمين ليس على مستوى السلوك فحسب ولكن على مستوى الاعتقاد أيضاً. وهو ما يبدو في المذهبية المادية التي تسربت إلى الشباب الإسلامي, وفي العلمانية التي أصبحت مذهبا لكثير من النخب المثقفة في العالم الإسلامي, وهي التي تسيطر على الخطوط التربوية والاقتصادية والسياسية للأمة, فانطبعت هذه المظاهر كلها بطابع الأيديولوجيا الغربية إن قليلا أو كثيرا.

     وبين هاتين المشكلتين تضافر تضافر وتآزر بحيث يهيئ ضعفاً الرابطة بين الحياة العلمية المسلمين وبين مرجعيتهم العقدية للتأثير الأيديولوجي الغربي, كما أن هذا التأثير الأيديولوجي يوسع الشقة بين تلك الحياة ومرجعيتها العقدية سواء على المستوى الفكري الثقافي أو على المستوى السلوكي العام, فإذا بواقع المسلمين يجري على غير أيديولوجية إسلامية بينة, بل إن تلك الأيديولوجية في صياغتها الفلسفية التي تستطيع بها أن تواجه التحدي, وتهدي الحياة تكاد تكون غائبة.

     أما البنية الفكرية الثقافية السائدة اليوم بين الناس فقد تغيرت كثيراً بالنسبة لتلك التي كانت سائدة في عهود ماضية, حيث أحدثت الثورة العلمية الصناعية انقلابا ثقافيا يكاد يكون عالميا, ذلك أن العقلية الصورية التي كانت سائدة قديما حلت محلها منذ عهد ديكارت عقلية علمية تخضع في الفهم والإقناع للبرهان المبني على معطيات العلوم الثابتة رياضية وطبيعية كما اكتسبت العقلية أيضاً صفة العملية, فأصبحت تنفتح في الفهم والقبول للخطاب الذي ينطلق من معالجة المشاكل العملية, اليومية أكثر من انفتاحها للخطاب الفلسفي المجرد. لقد أصبحت هذه الحصائص سائدة في العالم الغربي, وهي في طريق السيادة في العالم الإسلامي الذي كانت له خصائص في عهد ازدهاره الفكري في القرون الأولى بتكوين من القرآن الذي يجعل النظر في الكون مدخلا للاقتناع العقلي.

     وإنما أبرزنا هذه الخصائص في بنية العقلية الحديثة إشارة إلى أن المنهج الذي استخدمه الفكر الكلامي بعد القرن الخامس أصبح منهجا لا يلائم عقلية اليوم, إذ هو منهج مبني على المنطق الصوري في أساسه, وهو منطق لا يهتم بالواقع وإنما ترتبط الحقيقة فيه بتناسق المعطيات المجردة فيما بينها وإن خالفت الواقع. ولا زالت آثار هذا المنهج باقية عند شق من المنتسبين إلى الفكر الإسلامي إما بصفته الأصلية أو بصفة جديدة حافظ فيها على الطابع التجريدي العام, ويكاد يكون الخطاب الفكري الإسلامي اليوم محكوما بهذه التجريدية في الخطاب.

2 – الأسس الواقعية للفكر العقدي الحديث:

     إن المشاكل الأيديولوجية للأمة الإسلامية التي ألمحنا إليها آنفا بصورة موجزة تتطلب لمعالجتها فكرا عقديا ذا خصائص واقعية تتناسب معها استهداء في ذلك بالفكر الكلامي في طور نضجه وحيويته حينما كان يجابه الواقع العقدي الثقافي بما يناسبه من الأساليب. ويمكن أن تكون الخصائص المطلوبة لمعالجة واقع اليوم متركزة في محورين أساسين يستقطب كل منهما جملة من الفروع المتعلقة بالفكر العقدي, وهما: واقعية الموضوع, وواقعية المنهج.

أ – واقعية الموضوع:

     ونعني بها أن يكون الفكر العقدي الحديث يطرح القضايا والموضوعات التي تمثل مشاكل حقيقية تعيشها الأمة على المستوى الأيديولوجي, وأن يكون ترتيبها في الطرح من حيث الأهمية بحسب أهميتها الواقعية من حيث حجمها في الإشكال وإلحاحها فيه.

     إن البنية المأثورة في الفكر الكلامي تشتمل على مقدمات وثلاثة محاور أساسية. أما المقدمات فهي مسائل فلسفية وطبيعية, تستخدم في الاستدلال على المسائل العقدية. وأما المحاور الثلاثة فهي الألوهية والنبوة والبعث, وتحت كل واحد منها فروع تتعلق به. وفي بعض مدونات علم الكلام تقسم هذه المواضيع إلى محورين: إلهيات وسمعيات, إضافة إلى المقدمات الفلسفية والطبيعية.

     وقد ألمحنا سابقا إلى أن هذه البنية لعلم الكلام تشكلت موضوعاتها بحسب الواقع القديم الذي يعود إلى ما قبل القرن الخامس, وأن ترتببها أفرزته عقلية مدرسية لا عقلية واقعية, وهي لذلك لا تتلائم بالتأكيد مع متطلبات الواقع الراهن لا من حيث طبيعة المسائل ولا من حيث ترتيبها.

     فمن حيث القضايا والمسائل ثمة ثوابت لا يقوم الفكر العقدي بدونها, وهي أساسيات العقيدة الإسلامية فيما تقوم عليه من إيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر الإلهي خيره وشره, فهذه ستظل باقية ركنا ثابتا في الفكر العقدي على مر العصور؛ لأنها من جهة تمثل ركائز الأيديولوجية الإسلامية التي تتفرع منها كل وجوه المنظومة الفكرية والسلوكية, وهي من جهة ثانية عرضة للتحدي الأيديولوجي في كل زمان مما يجعل الدفاع عنها أمرا ساريا بسريان التحدي.

     إلا أن المنظومة المأثورة في الفكر العقدي اشتملت على العديد من المسائل والقضايا ذات الصلة بالعقدية الإسلامية أفرزتها ظروف واقعية انقرضت بانقضاء زمنها, فلم يبق اليوم مبرر لبحثها في الفكر العقدي الحديث, إلا أن يكون ذلك باعتبارها جزءاً من تاريخ الفكر الإسلامي, فقيمة البحث فيها قيمة تاريخية وليست قيمة واقعية تسهم في حل المشاكل الراهنة. ومن الأمثلة التي يمكن أن نذكرها في هذا الصدد قضية الذات الإلهية في علاقتها بالصفات, وقضية خلق القرآن, وتأويل الصفات الخبرية, والمفاضلة بين الأنبياء والملائكة, والمعاد هل هو جسماني أو روحاني, وأشباهها من المسائل التي لا تمثل اليوم إشكالات عقدية ولا علمية في حياة المسلمين, ولكنك تجد بعض الطوائف الإسلامية ما زالت تتشبث ببعضها متخذة منها محور الجدل ومنشطا للفكر العقدي يلهي عن المشاكل الحقيقية التي ترهق الواقع الإسلامي.

     وفي مقابل هذه القضايا التي يقتضي الواقع الجديد أن تطرح في مجال الاهتمام الآني فإن قضايا كثيرة لم تكن مطروحة من قبل في الفكر العقدي الموروث, ويفرض الوضع الراهن أن تطرح مجددا ضمن دائرة المنظومة العقدية الإسلامية فيتناولها الفكر العقدي بالبحث. وذلك يقتضي توسعه في مجال العقيدة بالنسبة لما استقر عليه الفهم في علم الكلام في عهوده الأخيرة.

     إن المفهوم الذي أصبح سائداً لموضوع العقيدة هو أن هذا الموضوع يشمل القضايا الصورية التي جاء بها الإسلام من حيث إن المسلم ملزم بأن يتحملها بالتصديق القلبي بها. أما ما يتحمله المسلم بالسلوك فإنه غير داخل في اهتمام الفكر العقدي, وقد خلت مدونات علم الكلام في صورتها الأخيرة منه بصفة كلية تقريبا. وهذا معناه أن القضايا العملية للمسلمين غير داخلة في مجال البحث العقدي الذي تمحض للقضايا النظرية.

     ولكن رغم هذا الفهم الذي ساد في الفكر العقدي المأثور فإننا نجد في مفهوم بعض القدامى من المفكرين الإسلاميين من ذوي الصلة بهذا المجال نطاقا لمواضيع علم العقيدة أرحب بكثير من النطاق الضيق الذي ساد, بل إننا نجد منهم من وَسَّع بحوثه العلمية في العقيدة بما شمل القضايا ذات الخصوصية النظرية وقضايا أخرى ذات خصوصية عملية وأدرجها كلها في صعيد البحث العقدي وأجرى عليها نفس المقياس.

     ومما يلفت الانتباه في هذا الصدد تعريف العلماء لعلم الكلام لم يورده أحد المتكلمين, ولكن أوردها أحد الفلاسفة الإسلاميين وهو أبو نصر الفارابي (ت 339 ه) في كتابه إحصاء العلوم فقال: ” صناعة الكلام ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل” (15). وهو يقصد بالآراء مسائل العقيدة النظرية, ويقصد بالأفعال مسائل الشريعة العملية, فالفكر الكلامي يشمل عند الفارابي النصرة الاستدلالية لكل من القضايا التي جاء بها الوحي نظرية أو عملية, في حين اقتصر الفهم السائد على القضايا النظرية فقط.

     وعندما نعود إلى بواكير ما وصلنا من مدونات علم الكلام ومقالات الفرق فإننا نجد بعضها مصداقا لهذا التعميم في بعضها موضوع علم الكلام كما حدده الفارابي, حيث نجد بحوثا في العديد من المسائل الشرعية العملية إلى جانب العديد من المسائل العقدية النظرية لا من وجه فقهي فرعي, ولكن من وجه أصولي عقدي, وخذ إليك في ذلك مثلا كتاب “مقالات الإسلاميين” للإمام الأشعري في الجزء الذي رتبه على المقالات خاصة, فقد بحث فيه بنظر أصولي كما هائل من القضايا النظرية والعملية.

     ومن هذه السابقة في توسيع موضوع الفكر العقدي يمكن أن نتخذ مستأنسا لتوسيعه اليوم حتى يغطي الحاجة الأيديولوجية للمسلمين, فيصبح من مهام الفكر العقدي الاستدلال على قضايا تشريعية عملية كالانتصار لحرمة الربا ببيان ما ينجر عنها من الدمار الصحي والاجتماعي, وكالانتصار لحلية التعدد في الزواج ومقدرات الشريعة في الحدود ببيان الفوائد التي تعود بها على الفرد والمجتمع, وكذلك الأمر في كل القضايا التشريعية الأساسية من حيث نصرتها والاستدلال عليها لا من حيث تفاصيلها الفقهية, ويستطيع الفكر العقدي الحديث بهذا الاهتمام أن يطاول فلسفة القانون الوضعي التي تعتبر رابطة بين القوانين الوضعية في فصولها التطبيقية وخلفياتها الأيديولوجية, وتبريرا لها على أساس تلك الخلفيات, فهو يشبه أن يكون فلسفة تشريعية تؤصل القانون الشرعي في منطلقه العقدي.

     ويتصل بهذا الاهتمام لنصرة التشريعات العملية الاهتمام بأصول الاجتهاد لصياغة الحلول الشرعية لمشاكل الحياة المستجدة, فإن هذا الاجتهاد يحتج إلى أن يؤصل على فقه بالواقع من جهة, وعلى أساس من الالتزام بقواعد الإسلامية من جهة أخرى تحريا في ذلك كله لما يحقق المصلحة للأمة, وهو ما يتوقف على نظر استدلالي هدفه الجمع بين الأصول العقدية الإسلامية وكل الحلول التشريعية الاجتهادية المتعلقة بالحياة العملية, ضمانا في ذلك للالتزام بالمرجعية العليا في كل تطور تنقلب فيه حياة المسلمين. وبهذا الاعتبار فإن مواضيع كانت تدرج سابقا ضمن علم أصول الفقه قد تصبح من مشمولات الفكر العقدي الحديث.

     ومن المواضيع المهمة التي يمكن أن تدرج في نطاق الفكر العقدي الحديث موضع الإنسان من منظور كلي عام. وهو الموضوع الذي يتناول بالبحث: مبدأ الإنسان, وقيمته الذاتية ومنزلته في الكون, وغاية وجوده, ومصيره. فهذه المسائل لم تنل الاهتمام في الفكر الكلامي الموروث إلا أن تكون جزئيات متفرقة في أثناء موضوعات أخرى (16). وهي اليوم تمثل مطلبا أساسيا في التأصيل العقدي؛ وذلك بالنظر إلى ما يشكوه العالم الإسلامي من مظاهر عديدة لامتهان الإنسان, وإهانة كرامته, وإهدار قيمته, وبالنظر إلى ما تتقلب فيه حياة المسلمين على غير وعي بالمهمة التي من أجلها خلق الإنسان, وعليه أن يسعى في تحقيقها, وذلك إما غفلة عن التعاليم الإسلامية التي جاءت في ذلك, أو انسياقا بفعل التأثير الفلسفي الغربي في هذا الخصوص.

     ولايخفى أن تأصيل أيديولوجية واضحة في قضية الإنسان على أسس عقدية إسلامية أمر بالغ الأهمية, باعتبار ان كل التشريعات التي تصرف شؤون الحياة العملية تتوقف في روحها وفي صياغتها على مقتضيات تلك الأيديولوجية, فإذا لم تكن مأصلة على أساس عقدي سليم جرت التشريعات على غير هدى من الدين. وهذا ما دعى إلى أن أصبح مبحث الإنسان في الفلسفة الحديثة مبحثا مستقلا وأساسيا من بين مباحثها, وعلى أساسه تنبني كل المنظومات المذهبية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية, وهو ما يؤكد ضرورة نشوء مبحث عقدي إسلامي في الإنسان يطاول مبحث الإنسان في الفلسفة, وتتأسس عليه التشريعات العملية.

     وإذا كانت القضايا العقدية النظرية : الألوهية والنبوة والبعث لا تفقد أهميتها في منظومة المواضيع العقدية الموسعة, فإن المواضيع التي ذكرناها آنفا ينبغي أن تحتل موقعا متميزاً في اهتمام الفكر العقدي الحديث, وذلك لأنها تقوم بالدور المهم في حل المشكلة الأيديولوجية بالنسبة للمسلمين, كما تقوم بالدور المهم في الإقناع بالإسلام بالنسبة لغير المسلمين وللمتشككين من المسلمين.

     أما دورها في حل المشكلة الأيديولوجية فهو يتمثل كما أشرنا إليه في أنها تصل بين السلوك والعقيدة, وتجعل الاجتهادات في تطوير حياة المسلمين مستندة إلى سند متين من أصول الدين, فلا تتفرق بها السبل, وإنما تكون صادرة في شتى مظاهرها عن وحدة أيديولوجية متقومة بعقيدة التوحيد الشاملة فتصطبغ الحياة كلها بصبغتها, ذلك ما تحققه فلسفة الشريعة التي تنصر التشريعات الإسلامية عقديا, وتضمن أصول الاجتهاد على الوجه الذي بيناه, وتفضي إليه قضية الإنسان في بعدها القيمي والغائي والكوني, إذ يقع في إطارها تأصيل العديد من القضايا المطروحة على الساحة الإسلامية والإنسانية عامة تأصيلا عقديا, مثل قضية مستقبل الإنسانية, والسلام العالمي, والتلوث البيئي وغيرها. وبصفة جميلة فإن هذه المواضيع الجديدة في الفكر العقدي من شأنها أن توطد مرجعية عقدية ثابتة تصدر عنها كل تصرفات المسلمين, وتحل في ضوئها كل مشاكلهم.

      أما دورها في إقناع غير المسلمين بالإسلام, وتبديد شبه المترددين من المسلمين فهو دور تقتضيه طبيعة البنية العقلية الحديثة المتصفة بالعلمية والعملية, فهذه العقلية لا تقتنع باستدلالات علمية وعملية واقعية على حرمة الربا والخمر والخنزير, وحقانية التشريع الأسري والجنائي الإسلامي فإذا ما كانت الأستدلالات على هذه القضايا مبنية على معطيات العلم الكوني والإحصائي والاجتماعي, ومنطلقة من واقع المعاناة الإنسانية في غياب هذه التشريعات فإن العقول تنفتح للقبول الاقتناع. وإذا ما حصل الاقتناع بها باعتبارها تصلح حلولا للمعاناة الواقعية المتأنية من النظام الربوي, ومن التحلل الأسري, والإباحية الجنسية فإن ذلك يكون المدخل الحقيقي للإيمان بمصدر هذه التشريعات من نبوة وألوهية وما يقتضيانه من عقيدة البعث, فيتحقق إذاً بالاستدلال على القضايا العملية ما يعجز الاستدلال التجريدي عن تحقيقه من إيمان بأصول العقيدة, وإن المد الإسلامي الحديث في أوساط المثقفين من أهل الغرب تأتي في أكثره من هذا الباب لا من باب الاستدلال النظري المجرد.

ب – واقعية المنهج:

     نعني بها أن تكون الطريقة التي تقدم بها الموضوعات العقدية المستصحبة والمستجدة طريقة مبنية على المعطيات الواقعية لعقليات المخاطبين ضمانا في ذلك لأن يكون الخطاب نافذا إليهم, مقنعا لهم, لا على أساس أن الغاية هي الإقناع شأن المنهج الخطابي في المنطق اليوناني اليوناني القديم, ولكن على أساس أن الغاية هي الإقناع بالحق.

     وقد ذكرنا آنفا أن العقلية التي أصبحت سائدة هي العقلية العلمية العملية, أي العقلية التي تقتنع بالأسلوب الذي يستخدم معطيات العلم التجريبي, والذي يستخدم أيضاً معطيات الواقع الإنساني فيما يزخر به من تجارب نفسية واجتماعية, وفيما تنجم عنه من مشاغل ومشكلات, وفيما يثمره التاريخ من العبر والعظات. فالواقع الكوني والواقع الإنساني هما المادة الصالحة لأن تتخذ منها مقدمات استدلالية مقنعة للعقلية الراهنة.

     وليس هذا المنهج بدعا في الثقافة الإسلامية, بل هو منهج قديم فيها, فالقرآن الكريم بنى خطابه الإقناعي على أصول الواقع الكوني والإنساني. وهو ما يبدو في استخدام الآيات الكونية مقدمات في الاستدلال على حقائق العقيدة, واستخدام العبر التاريخية باعتبارها وقائع إنسانية في الإقناع بما يبشر به من تعاليم تتعلق بمصير الإنسان وغاية وجوده, والانطلاق من المصلحة العملية للإنسان في حمله على التسليم بأسس العقيدة الإسلامية (17).

     ويمكن أن نعتبر مما يندرج في هذا المنهج من جانبه العلمي ما أدخل في علم الكلام من مسائل طبيعية تمثل في الزمن القديم معطيات علمية, حيث استخدمت هذه المعطيات في الاستدلال على مسائل العقيدة, وذلك مثل مسائل الخلاء والملاء, والجوهرالفرد, والحركة, والجوهر والعرض وما شابهها , وإن كان البحث فيها في ذلك الزمن يكتسي صبغة أيديولوجية إلا أن أصل استخدامها كمسائل طبيعية يشير إلى منهج علمي في الاستدلال على العقيدة يمكن استثماره في بعض المنهج الجديد.

     ويقتضي هذا المنهج الواقعي في جانبه العلمي رصد نتائج العلم التجريبي في دائرته الكونية ودائرته الإنسانية, واستخلاص تلك الحقائق التي تنطوي على دلالة واضحة على مسائل العقيدة, ثم بناء أدلة عقلية منها على تلك المسائل. ومن البين أن الحقائق العلمية بلغت من الثراء في العلم الحديث ما تكون به مصدراً لا ينفد للاستدلال على حقائق العقيدة, وهو مصدر متجدد بداية بنمو الاكتشافات لقوانين العلوم, ففي كل قانون جديد دليل جديد على تلك الحقائق, وتبقى صياغته المنطقية للاستدلال والإقناع في مهمة الفكر العقدي. وهذا القول يصدق في حق المسائل العقدية النظرية, كما يصدق في حق المسائل التشريعية العملية من جهة إثبات حقانيتها كما بيناه آنفا. وربما قيل إن قوانين العلم ليست قطعية كلها , بل بعضها قابل للتعديل بين الحين والآخر, فكيف تتخذ منها أدلة على حقائق ثابتة. والجواب أن الاستدلال بما قد يثبت خطؤه لا شئ فيه بحسب قاعدة أن بطلان الدليل لا يؤذن ببطلان المدلول, وإنما يستأنف الاستدلال عليه بما هو أقوى وأثبت من حقائق العلم.

     كما يقتضي هذا المنهج في جانبه الواقعي رصد مجريات الأحداث في واقع الإنسان من حيث ما يعانيه من الاحباط النفسي والاجتماعي والاقتصادي, وما هو سائر إليه من مصائر مظلمة بسبب مناهج يتبعها في حياته ناشزة عن الهدي الديني في توجيه السلوك البشري, وكذلك بيان الوجه المعاكس لها متمثلا في المغانم الروحية والمادية التي يثمرها ذلك الهدى, وإبراز ذلك كله في استطلاعات ميداينة إحصائية, ثم صياغتها في استدلالات عقلية على حقانية القانون الإسلامي وبطلان مناقضاته من القوانين الوضعية ما يبرز أن حلول المشاكل التي يعاني منها إنسان اليوم في المجال النفسي والاجتماعي والاقتصادي تمر عبر التشريع الإسلامي في أسسه الأصلية الثابتة.

     وليس من شأن هذا المنهج الواقعي الاقتصار على هذه الاستدلالات ذات الطابع الجزئي في استخدام حقائق العلم الكوني ومجريات الأوضاع الإنسانية, بل من شأنه أيضا أن يؤسس فلسفة توقيع لحقائق الدين المجردة, على معنى أن يقوم الفكر العقدي الحديث بتأصيل قواعد تساعد في صياغة الحقائق الدينية المجردة صياغة بمعطيات الواقع في حياة المسلمين حتى يتسنى بها تنزيل الدين تنزيلا زمنيا على هذا الواقع فيما يشبه العمل الذي يقوم به المهندسون المعماريون حينما يرسمون أمثلة عمرانية يصوغون فيها من مطلوبات الناس ما يقوم على أساس من القانون الرياضي والفيزيائي في علم العمران, وما يستجيب في نفس الآن لطبيعة الأرض التي يرد أن يقام عليها العمران.

     إن حقائق الدين حقائق مجردة وثابتة, وظروف الحياة الواقعية منقلبة متغيرة, وهي في كل منقلباتها ينبغي أن تكون محققة لأغراض الدين المجردة, ولا يكون تحقيق هذه الأغراض إلا بصياغة مشاريع عملية من تلك الحقائق المجردة تتوجه بها الحياة الواقعية وجهة دينية, فيحقق الدين أغراضه في توجيه الحياة, والأدب المنهجي الذي تتم به تلك الصياغة هو مهمة الفكر العقدي وهي مهمة لا يمكن أن تتم بغير الإلمام الوافي بواقع الإنسان في طبيعته وخفاياه والعوامل المؤثرة فيه, ولذلك عددناها عنصرا من المنهجية الواقعية المطلوبة من هذا الفكر في الزمن الراهن.

     على أن المنهجية الواقعية التي نتحدث عنها لا تنفي أن يبقى الفكر العقدي على صلة بالمنهجية الفلسفية العقلية المجردة؛ ذلك أن هذه المنهجية وإن تراجعت اليوم لفائدة المنهجية الواقعية فإنها لم تنقطع, وهو ما يبرر استعمالها في المجالات والاحيان التي تكون فيها مفيدة, وتصل فيها إلى تحقيق الغرض. وكذلك الأمر بالنسبة للأسلوب العاطفي الروحي فقد يفيد مع بعض الناس وفي بعض الأحيان, فلا ينبغي إهماله فيما قد يفيد فيه, ولكن تبقى الصبغة العامة للمنهجية العقدية منهجية علمية عملية فإنها أنفذ في واقع اليوم إلى العقول, وأدعى إلى الإقناع, وأصلح في تسديد الواقع الإنساني بالهدي الديني.

     إن الفكر العقدي الحديث إذا ما اقتبس من التراث الكلامي السابق في عهد حيويته ونضجه تجربته في التعامل الواقعي مع المشكلات التي واجهت المسلمين أيديولوجياً. وتمثل تلك التجربة في أصولها الفلسفية دون جزئياتها الفرعية, فإنه يمكن أن يقوم اليوم بدور مهم في البناء الأيديولوجي للمسلمين, فيؤسس مرجعية مذهبية تقوم على العقيدة الإسلامية, تندرج تحت سلطانها كل مشاريع الحياة السلوكية في مختلف المجالات, فتستعيد حياة المسلمين وحدتها وانسجامها وقد تمزقت اليوم شر تمزق بين نموذج الانحطاط ونموذج الحياة الغربية, فنبتت فيها المشاكل المعيقة عن تحقيق الخلافة غاية الوجود الإنساني.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *