التفاسير المعاصرة للقرآن الكريم

التفاسير المعاصرة للقرآن الكريم

تونس- الزيتونة اون لاين :

حميدة النيفر

القرآن ميسر ولأنه ميسر يحتاج إلى التفسير.

لأن تيسيره من الله تعالى كتسخير الله تعالى للكون يحتاج إلى هذا التسخير كما يحتاج التيسير يحتاج إلى جهد بشري، يحتاج إلى مكابدة بشرية فلا يمكن أن نفهم التفسير على أنه لا يحتاج إلى أي جهد، الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن العزيز أن الكون مسخر لنا ولكنه طالبنا بالكدح وطالبنا بالجهد، نفس الشيء تيسير القرآن تيسير الذكر القرآني يعني هو إتاحة لمد يد المساعدة للإنسان حتى يتولى مهمته الأساسية، لكن هذه الإتاحة تحتاج من البشر، من المؤمنين  إلى عمل حقيقي، عمل في مستوى الفهم، عمل في مستوى مراجعة هذا الفهم، على اعتبار أنه ليس هناك فهم أمثل لأننا نعتقد المسلم يعتقد أن النص لا يمكن أن يحجر عليه فهم ما مهما كان هذا الفهم، فلذلك أنا أعتبر أن تيسير الذكر هو نوع من مساعدة البشر على أن يرتقوا باستمرار لفهم مبتغى الله ومقصوده مع مراعاة ظروفهم واحتياجاتهم الآنية.

 زخم التفاسير و انتشارها المتسارع و المتكرر 

 هي ظاهرة لافتة للنظر، من جهتين على الأقل، من جهة أولى هذه الظاهرة وتيرتها متواصلة لكنها تزداد بعد كل أزمات كبرى تمر بها البلاد العربية والإسلامية أزمات اجتماعية، أزمات سياسية، تحولات كبرى، هزائم عسكرية إلى آخره، فلو قارنا هذه الوتيرة مع ما يجري في المجتمعات لأدركنا أنها كأنها حاجة حضارية يعبر عنها المجتمع أنه يريد أن يعود إلى النص المؤسسي الذي بنيت عليه الحضارة الإسلامية لكي يحاول أن يستنجد به لمواجهة هذه القضايا الطارئة والتحولات الكبرى، هذا هو الجانب الأول لتفسير هذا التكافل، الجانب الثاني هو أنه هناك عدد من المعارف والاكتشافات والفتوحات ممكن نسميها فتوحات معرفية ظهرت في هذا القرن من الزمن وبعض المسلمين يريد أن يستفيد من هذه الفتوحات ومن هذه الكشوفات العلمية وكشوفات الإنسانية إلى آخره، ويعتبر أنها أداة إضافية لعلها تساعده في أن يكون هذا النص المرجعي الذي يؤول إليه باستمرار يكون قادرا على مواجهة التعثرات التي يعيشها المسلمون في عالمهم المعاصر.

وهي ظاهرة في تقديري تدل على يقظة، يقظة المجتمع والوعي المجتمعي يعني يعبر عن استعداده المتواصل على أن يلتحم بجذوره التي تأسست عليها حضارته، من هذه الناحية هي ظاهرة صحية بدون شك لكن هل وفقت في طيلة القرن ونصف، هل وفقت للخروج من هذه الحالة حالة المأزق التي يسميها بعض الباحثين المعاصرين مأزق المعنى يعني لا نعرف العالم الإسلامي كأنه لا يعرف كيف يربط ماضيه بحاضره، يعني يعيش في حالة أشبه ما يكون بحالة الفصام وأعتقد أن هذه التفاسير ستجسر العلاقة أو تربط العلاقة بصورة إيجابية بين هذا الماضي وبين مقتضيات الحاضر فأظن أنها ظاهرة صحية وإن كان في تقديري لم توفق إلى نتائج حقيقية كبرى ربما نتحدث عن هذا فيما بعد.

ولا شك أن هناك في هذه المحاولات التي ظهرت في القرن والنصف الماضي محاولات سميتها أيديولوجية يعني هناك بعض التفاسير التي ظهرت في الفترة الأخيرة لا تعدو أن تكون استنجاد بالنصوص القرآنية لدعم إجابات جاهزة من قبل المفسر هذا ما أقصده.

 علم التفسير ظهر في البداية ملتصقا وملتحما التحاما شديدا بالحديث النبوي والرسول صلى الله عليه وسلم لم يعنِ شرح بعض الأشياء وأجاب عن بعض الأسئلة الواردة في القرآن الكريم بل إن بعض الصحابة كان يعني لا يرى حرجا في أن يقول هذه الكلمة لا أعرف معناها مثلا يروى عن أحد الصحابة كبار الصحابة أنه لا يعرف كلمة أبا في القرآن الواردة في سورة عبس وكلمة فاطر، فاطر بعض الصحابة ابن عباس رضي الله عنه يقول أنا لا أعرف حتى لقيت عربيين يقول أنا فطرت هذا البئر يعني أنشأته، فالإجابة عن هذا السؤال اللي هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان الحضور النبوي، الحضور النبوي كان هو أفضل طريقة للتفسير وفيه نص معروف كان خلقه القرآن يعني سلوكه وعلاقاته وتسديده لحياة الأمة الناشئة والجماعة الناشئة كان هو أفضل تفسير يعني لم تكن هناك حاجة للتفسير لأن الحضور النبوي كان يقوم مقام هذا أي تفسير يمكن، ولذلك لا نجد له إلا إضافات وملحقة بأحاديث ولذلك ظل علم التفسير في الفترة الأخيرة في القرن الأول موجود مع النصوص النبوية التي تروى عن الرسول عليه السلام، فلذلك هذا يفهم من هذا الجانب وهو جانب الحضور النبوي، ومن جانب آخر أن المجتمع الأول لم تكن تواجهه قضايا مختلفة نوعيا عما كان في فترة نشوء الأمة في فترة الجماعة الناشئة، لم يظهر، لم تظهر هذا إلا في أواسط القرن الثاني حين ظهرت الفتوحات حين انتشر الإسلام في أصقاع مختلفة وتثاقف مع مجموعات دينية وفلسفية وفكرية ونظرية مما أدى إلى طرح أسئلة ما كانت مطروحة وظهرت أمور ومقتضيات، التحولات التي ظهرت عن طريق الفتوحات طرحت مسائل كان لا بد عندئذ إذا من أن تقدم إجابات تتجاوز المفردات هذه المفردة الغريبة أو هذا المعنى ما المقصود به، هذه الكلمة في، لذلك هنا في تقديري اعتباران الاعتبار الحضور النبوي واعتبار التوسع الاجتماعي والثقافي.

الحاجة إلى التفسير كلما تطور الزمان وتطور العلم

البيئة العربية الأولى كانت تيسر هذا الفهم العفوي الطبيعي بعد ذلك ستدخل أمم لا صلة لها باللغة العربية أو معرفتها باللغة العربية معرفة محدودة جدا ولذلك الجانب اللغوي إلى جانب هذا المجال، مجال اللغة، هناك جانب آخر هو الجانب الفلسفي والفكري حين دخلت أقوام خلفيتها الدينية يهودية أو نصرانية أو غير ذلك لها يعني مواقع وفهم للحياة وفهم للإنسان وطبيعة الإنسان تختلف عن الفهم والطبيعة التي ركزها النص القرآني فبطبيعة الحال سيتساءلون عن هذه المعاني عن قضية الإنسان وقدرته وإرادته إلى أي حد عنده إرادة حقيقية يعني أنه مجبر أم أنه مخير إلى آخره، هناك جملة من القضايا الكبرى التي ستطرح ابتداء من أواسط القرن الثاني الهجري وبعد ذلك فيما تلاها من القرون نتيجة هذا الاحتكاك بمجموعات وبنظريات وبتساؤلات فلسفية ووجودية حتى تختلف تمام الاختلاف عما كان موجودا في الفترات الأولى.

تفسير القرآن بالمأثور

أعتقد أن قسما من المفسرين المعاصرين يعتبرون أنه لا مناص من أن نعتمد هذا التمشي المنهجي يعني قراءة القرآن من خلال القرآن ومن خلال المأثور، لكن هل هذا السؤال الذي يطرح: هل هذا الاعتماد كاف لتقديم إجابات تطالب بها المجتمعات الإسلامية؟ هذا هو السؤال الذي يطرح الآن في التفاسير الحالية، أما أن نتجاوز كل ذلك فهو أمر بالنسبة لقسم من المفسرين المعاصرين أمر متعذر لا يمكن القبول به، لا بد من اعتماد هذه القراءة القرآنية الكاملة، النظر في كليات القرآن كما يقال مقارنة ببعض المفسرين الذين يعتبرون أن ما هو مأثور لا ينبغي أن نعتمده كاعتمادنا لرؤية للرؤى الكلية التي تتوفر في النص القرآني، إذن هناك رأي يرى هذا الاتجاه في هذا الاتجاه هناك رأي آخر عند المفسرين المعاصرين وهم قلة يعتبرون أن النص القرآني نص مرتبط بسياق حضاري بسياق تاريخي فينظرون إليه نظرة لغوية أو نظرة تاريخية كأنه نص تاريخي أو لغوي لا أكثر ولا أقل وبالتالي يتعاملون معه كأي نص آخر وأولا يرفعون عنه القدسية الأساسية بالنسبة للمسلمين وينظرون إليه كأنه نص ديني مثل النص الموجود عند المسيحيين أو عند اليهود يعني يتجاهلون أو يعرضون على أنه نص موحى يعبر عن تجلي المتعالي سبحانه وتعالى في هذه الآيات يتجلى كلامه في هذه الآيات ولذلك لا بد أن ننظر إليه من هذه الزاوية ونفعل فيه هذا المعنى، المعنى الإيماني الذي لا بد من إدخاله في اعتبارنا.

للتفسير ضوابط 

هناك الأصول الأساسية القرآنية، أصول العقيدة، هذه أمور معتبرة لا بد من تحكيمها وبدونها لا يمكن أن نفهم تفسيرا جزئيا لآية يعني مثلا قضية مهمة الإنسان واستخلاف الإنسان وما ينجم عن ذلك من تقدير لقيمة حريته حتى تكون محاسبته مرتبطة بهذه المسؤولية، وبهذا الاستخلاف فبدون هذا الاعتبار يصبح الأمر يعني غير محكوم بأصول مترابطة أسس عليها الخطاب القرآني وسيظل أساس في كل وقت وفي كل زمان.

الاتجاهات العامة لتفاسير القرآن

هناك على الأقل أولاً قبل أن نحدد الاتجاهات، أنا أتصور أنه من المفيد أن نقول أنه منذ القرن التاسع عشر ميلادي يعني منذ 1850 أظن إذا ذكرت تاريخ إنتاج تفسير الألوسي مثلاً على سبيل المثال حتى الآن ذكرت قبل قليل أنه يناهز المئة من التفاسير، إما تفاسير كاملة أو تفاسير جزئية لأنه ليست كل التفاسير التي ظهرت في هذا العصر كلها تفاسير تغطي كامل النص القرآني، هذا أول ما نحتاج إلى تحديده، ثانياً: نحتاج إلى ذكر أنه ظهرت مثلما ذكرت منذ قليل أنه هناك تفاسير تعتمد فيها مرجعيات معرفية ليست بالضرورة المرجعيات المعتمدة مثل اللغة ومعرفة البلاغة قواعد البلاغة وقواعد البيان إلى آخره، بل تعتمد أمور أخرى مثلاً أمور طبية وعلمية فيزيائية كيميائية إلى آخره، إذن قبل أن نتحدث عن الاتجاهات الكبرى يبدو لي أن هناك محطة رئيسية ظهرت في الفترة المعاصرة هي ظهور تفسير المنار للشيخ محمد عبده، هو بداية بدأ مع دروس ألقاها محمد عبده ثم لم يدله هو توفي قبل إنهائه، فسر قسماً منه وجزء عَمَّ وتوقف عند سورة يوسف، جاء بعده رشيد رضا وهو أحد أبرز تلاميذه وأكمل النقص بناءً على ما ظن أنه أو ما اعتبر أنه في نفس التوجه، في نفس المنهجية التي عالج بها الشيخ محمد عبده النص القرآني، هذه اللحظة في تقديري هذه اللحظة في تحديد الاتجاهات مفيدة جداً لأنه تفسير المنار يتميز بميزتين أساسيتين: الميزة الأولى هي أنه يرى من الضروري في إنتاج دلالات التفسير المعاصر لا بد من مراجعة التراث التفسيري والقيام بنوع من استبعاد بعض الاتجاهات التي كانت من خلافات مذهبية وعقدية وبعض الإسرائيليات وبعض الأشياء التي هي أقرب إلى الخرافات إلى آخره، يعني هذا ما يمكن نسميه تصفية التراث التفسيري القديم، استبعد بعض الجوانب الكبيرة في المنار، في تفسير المنار هذا الجانب الأول، الميزة الثانية التي هو لا تقل أهمية عن الميزة الأولى هي أنه لا بد من أن يكون التفسير متفاعلاً مع مقتضيات المجتمع واحتياجاته، فلا بد أن يكون مصغياً لهذه الاحتياجات، ويتفاعل معها ويقدم لها الإجابات من هذه اللحظة لم تعد التفاسير هي اهتمامات لبعض العلماء، الخبراء، بما كتبه هذا المفسر أو ذاك، بما اهتم به من آيات الأحكام أو اهتم به من جوانب العقدية الكلامية، أصبح المفسر منتبهاً لما يطرحه المجتمع من تساؤلات ويبحث عن إجابة عنها، من هذه اللحظة ستظهر اتجاهات في التفسير يعني المنار سيفتح مسلكاً جديداً أننا لسنا ملزمين بكل ما ورد في التراث التفسيري القديم، ينبغي أن نفرز أن نقوم بعملية فرز ونختار أشياء ونلغي أشياء أخرى لا نعتمدها هذا من جهة، من جهة ثانية لا بد أن نكون في حالة تفاعل مع المقتضيات الجديدة..

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *